بينما يبحث سكان قطاع غزة عن نافذة للخروج من سنوات الحرب والدمار، تبدو قيادة حركة حماس متمسكة بخطابها السياسي والأيديولوجي، في مشهد يعكس فجوة مؤلمة بين حسابات الحركة واحتياجات مئات الآلاف من المدنيين الذين دفعوا الثمن الأكبر للصراع.
فأهالي غزة الذين فقدوا منازلهم وأقاربهم ومصادر رزقهم، لا يبحثون اليوم عن معركة جديدة ولا عن شعارات إضافية، وإنما يريدون شيئًا أكثر بساطة: أن تتوقف الحرب، وأن يعودوا إلى حياة يمكن أن يشعروا فيها بالأمان، وأن تبدأ عملية إعادة إعمار ما تهدم.
لكن قيادة حماس، وعلى رأسها خليل الحية، لا تزال تتحدث بلغة الصراع والمقاومة والتحرير، وكأن القطاع لم يخرج من واحدة من أكثر مراحل الدمار قسوة في تاريخه الحديث.
المدنيون دفعوا الثمن الأكبر
لم يكن سكان غزة هم من اتخذوا قرار الدخول في الحرب، ولم يكن ملايين المدنيين هم من رسموا الحسابات السياسية والعسكرية التي قادت إلى السابع من أكتوبر وما أعقبه من حرب مدمرة.
ومع ذلك، وجد هؤلاء أنفسهم في قلب المواجهة، يدفعون ثمنًا هائلًا من أرواحهم ومنازلهم وأمنهم ومستقبل أبنائهم.
وهنا تبرز واحدة من أكثر المفارقات قسوة؛ فبينما تستطيع القيادات السياسية أن تتحدث من أماكن أكثر أمنًا عن استمرار المواجهة والصمود والتحرير، يبقى المواطن العادي هو الذي يواجه آثار الحرب كل يوم، بين منزل مهدّم ومستشفى متضرر ومدرسة توقفت عن العمل وبنية تحتية تحتاج إلى سنوات لإعادة بنائها.
ولذلك فإن الحديث عن غزة لا ينبغي أن يختزل في الحديث عن حماس أو إسرائيل فقط، بل يجب أن يضع الإنسان الغزي في مركز الصورة، باعتباره الطرف الذي تحمل العبء الأكبر من نتائج الصراع.
مصلحة الحركة ليست بالضرورة مصلحة سكان غزة
المشكلة الأساسية التي تواجه حماس اليوم أن استمرار الحركة كقوة سياسية وعسكرية ليس بالضرورة متطابقًا مع مصلحة سكان القطاع.
فالحركة لديها مشروع سياسي وأيديولوجي وحسابات تتعلق بالنفوذ ومستقبلها في الساحة الفلسطينية، بينما لدى المواطن الغزي احتياجات أكثر إلحاحًا تتعلق بالمسكن والعمل والتعليم والعلاج والأمان.
وهذه الفجوة تطرح سؤالًا صعبًا: هل الأولوية في المرحلة المقبلة هي الحفاظ على نفوذ الحركة ومشروعها السياسي، أم توفير الظروف التي تسمح لسكان غزة بإعادة بناء حياتهم؟
فبعد كل هذا الدمار، من الصعب إقناع المواطن الذي فقد منزله بأن استمرار الصراع هو الطريق الوحيد أمامه، بينما يرى أن أي فرصة حقيقية للتهدئة وإعادة الإعمار قد تكون بداية لاستعادة ما تبقى من حياته.
شعارات تحرير الأقصى لا تعيد بناء بيت مهدّم
لا أحد يستطيع إنكار المكانة التي يحتلها المسجد الأقصى والقدس في الوجدان الفلسطيني والعربي، لكن تحويل هذه الشعارات إلى بديل عن الحلول العملية التي يحتاج إليها سكان غزة يطرح مشكلة حقيقية.
فالشعار لا يعيد منزلًا إلى صاحبه، ولا يعالج طفلًا مصابًا، ولا يعيد تشغيل مستشفى، ولا يوفر مدرسة لآلاف الطلاب الذين حرموا من التعليم.
غزة تحتاج إلى قرارات تضع حياة المدنيين في المقدمة، وإلى ترتيبات تضمن وقف القتال وفتح الطريق أمام إعادة الإعمار، وإلى قيادة فلسطينية قادرة على التعامل مع الواقع بدل إبقاء السكان أسرى لدائرة جديدة من الحرب.
ومن هنا يصبح السؤال عن خطاب حماس أكثر إلحاحًا: هل تستطيع الحركة أن تعيد ترتيب أولوياتها بما يتناسب مع حجم المعاناة التي يعيشها سكان القطاع، أم ستظل أسيرة خطاب سياسي لا يلمس احتياجات المواطن اليومية؟
أهالي غزة ليسوا وقودًا لمشروعات سياسية
أكبر ظلم يمكن أن يتعرض له سكان غزة هو أن يتم التعامل معهم باعتبارهم مجرد جزء من معركة سياسية، أو أن يُطلب منهم دفع ثمن قرارات لم يشاركوا في اتخاذها.
فالمواطن الذي يريد منزلًا آمنًا لأسرته، والطفل الذي يريد العودة إلى المدرسة، والمريض الذي يحتاج إلى مستشفى، والأسرة التي فقدت مصدر دخلها، جميعهم لديهم الحق في أن تكون حياتهم أولوية.
ومن حق أهالي غزة أيضًا أن يسألوا قياداتهم عن جدوى القرارات التي أوصلتهم إلى هذا الوضع، وأن يعرفوا لماذا كان عليهم تحمل هذه الكلفة الهائلة، وما الذي حصلوا عليه في المقابل.
هذه الأسئلة لا تعني التخلي عن القضية الفلسطينية، ولا تعني تجاهل حقوق الفلسطينيين، وإنما تعني ببساطة أن حياة الإنسان الفلسطيني يجب ألا تكون أقل أهمية من أي مشروع سياسي.
الاختبار الحقيقي لحماس
في المرحلة المقبلة، لن يكون اختبار حماس الحقيقي هو قدرتها على إطلاق الشعارات أو الحفاظ على خطابها التقليدي، وإنما قدرتها على التعامل مع حجم الكارثة التي يعيشها قطاع غزة.
فإذا كانت الحركة تعتبر نفسها ممثلة لجزء من الشعب الفلسطيني، فإن أول اختبار لهذه العلاقة هو مدى استعدادها لوضع مصلحة المدنيين فوق حسابات النفوذ والبقاء السياسي.
أما سكان غزة، فقد أصبحوا بحاجة إلى شيء مختلف تمامًا عن الشعارات: بحاجة إلى أن يعيشوا.
هم بحاجة إلى بيوت تُبنى بدلًا من البيوت التي هُدمت، ومدارس تعود إليها أصوات الأطفال، ومستشفيات تعمل، واقتصاد يوفر فرص العمل، وسماء لا يخافون أن يأتي منها الموت في أي لحظة.
وبعد كل ما حدث، ربما يكون السؤال الأكثر إلحاحًا ليس كيف تستطيع حماس مواصلة مشروعها، وإنما: متى تصبح مصلحة أهالي غزة أنفسهم هي الأولوية الأولى؟
