مقابلة حسام بدران.. حماس تفكر في الانتخابات وغزة تفكر في الحياة

Uncategorized , Comments Disabled

تكشف المقابلة التي أجراها حسام بدران، رئيس مكتب العلاقات الوطنية في حركة حماس، مع قناة الأقصى في 12 أغسطس، عن جانب مهم من طريقة تفكير الحركة في المرحلة المقبلة؛ فبينما تتحدث قيادة حماس عن الانتخابات وترتيبات النظام السياسي والتمثيل الوطني، يعيش سكان قطاع غزة واقعًا مختلفًا تمامًا، عنوانه البحث عن الأمان، وإعادة بناء ما تهدم، واستعادة الحد الأدنى من الحياة الطبيعية.

وبحسب ما ورد في المقابلة، تحدث بدران عن مشاركة حماس في الانتخابات ضمن ائتلاف وطني واسع، وعن ضرورة إعادة ترتيب البيت الفلسطيني، مؤكدًا في الوقت نفسه أن الحركة لن تقبل بإعادة تشكيل النظام السياسي أو استبعادها من المشهد.

هذه التصريحات تبدو، في ظاهرها، حديثًا عن الشراكة السياسية وإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية، لكنها تفتح بابًا أوسع للتساؤل حول أولويات الحركة بعد الحرب: هل الأولوية الآن هي إعادة ترتيب موازين القوى داخل النظام السياسي الفلسطيني، أم معالجة النتائج الكارثية التي تركتها الحرب على سكان قطاع غزة؟

ما تقوله حماس.. وما يعيشه سكان غزة

المشكلة ليست في الحديث عن الانتخابات باعتبارها أداة سياسية، ولا في رغبة أي حركة في المشاركة في الحياة السياسية، وإنما في التوقيت والسياق.

فغزة التي يتحدث أهلها اليوم ليست غزة التي كانت قبل الحرب. آلاف الأسر فقدت منازلها، والبنية التحتية تعرضت لدمار هائل، والخدمات الأساسية تعرضت لضغوط وانهيارات، بينما لا يزال كثير من السكان يبحثون عن أبسط مقومات الحياة.

في هذا الواقع، تبدو أجندة القيادة السياسية مختلفة عن أجندة المواطن.

حسام بدران يتحدث عن الانتخابات والائتلافات والتمثيل وعدم استبعاد حماس من النظام السياسي، بينما المواطن الغزي لديه أسئلة أكثر مباشرة: متى يعود إلى منزله؟ من سيعيد بناء بيته؟ كيف سيحصل على عمل؟ ومتى تعود المدارس والمستشفيات والخدمات إلى العمل بصورة طبيعية؟

وهنا تظهر المسافة بين ما تقدمه القيادة السياسية باعتباره أولوية، وما يراه الناس على الأرض باعتباره أولوية حقيقية.

الانتخابات مهمة.. لكن لمن؟

من الطبيعي أن تكون الانتخابات جزءًا من أي محاولة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، لكن الانتخابات لا يمكن أن تكون بديلًا عن معالجة آثار الحرب.
فالمواطن الذي فقد منزله لن يرى في الحديث عن تشكيل كتلة انتخابية إجابة عن مشكلته، والأسرة التي فقدت أحد أفرادها لن تجد في إعادة توزيع المقاعد السياسية تعويضًا عن خسارتها.

وهنا يصبح من حق سكان غزة أن يسألوا: هل يجري التفكير في مستقبل القطاع من زاوية احتياجات السكان، أم من زاوية مستقبل القوى السياسية التي تريد الاحتفاظ بمواقعها ونفوذها؟

هذا السؤال يصبح أكثر أهمية عندما تصر قيادة حماس على التأكيد أنها لن تسمح باستبعادها من النظام السياسي المقبل. فالموقف قد يكون مفهومًا من زاوية حسابات الحركة، لكنه لا يجيب بالضرورة عن سؤال مختلف تمامًا: ماذا عن الناس الذين دفعوا ثمن هذه الحسابات؟

من يتحمل نتائج القرار؟

لا يمكن الحديث عن حرب غزة من دون أن نلغي مسؤولية حماس عن القرارات التي اتخذتها، وعلى رأسها قرار 7 أكتوبر 2023، وما ترتب عليه من دخول القطاع في حرب كانت كلفتها الأكبر على المدنيين.

المشكلة هنا أن سكان غزة لم يكونوا أصحاب القرار في إشعال الحرب، لكنهم كانوا الأكثر تعرضًا لنتائجها.
وهذه نقطة يصعب تجاهلها عند قراءة أي خطاب سياسي صادر عن قيادة حماس. فهناك فرق بين القيادة التي تتخذ قرارًا سياسيًا أو عسكريًا، وبين المواطن الذي يجد نفسه بعد ذلك بلا منزل أو مصدر دخل أو مدرسة لأطفاله.

لذلك فإن الحديث عن «المقاومة» أو «التحرير» أو «التمثيل السياسي» لا ينبغي أن يمحو السؤال الأخلاقي والسياسي الأهم: هل كانت مصلحة سكان غزة حاضرة بالقدر الكافي في حسابات من اتخذوا قرارات الحرب؟

ما وراء تصريحات بدران

يمكن قراءة حديث بدران عن الانتخابات والتحالفات باعتباره محاولة من حماس للتأكيد على أنها لا تزال لاعبًا سياسيًا رئيسيًا، وأن الحرب لم تنهِ قدرتها على التأثير في مستقبل النظام السياسي الفلسطيني.
وهذا مفهوم من زاوية الحركة نفسها؛ فكل تنظيم سياسي يسعى إلى الحفاظ على وجوده ونفوذه.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح بقاء التنظيم السياسي هدفًا قائمًا بذاته، منفصلًا عن مصلحة المجتمع الذي يفترض أن يمثله.
فحماس لا تتحدث فقط عن المشاركة في انتخابات، وإنما عن موقعها في النظام الفلسطيني المقبل، وفي المقابل، يحتاج سكان غزة إلى معرفة شكل الحياة التي تنتظرهم بعد الحرب، ومن سيدير القطاع، وكيف ستتم إعادة الإعمار، ومن سيضمن ألا يجدوا أنفسهم مرة أخرى داخل دائرة جديدة من الصراع.
وهنا تحديدًا تكمن الفجوة بين السياسة كما تراها القيادة، والحياة كما يراها المواطن.

أهل غزة ليسوا ورقة انتخابية

أخطر ما يمكن أن يحدث بعد حرب بهذا الحجم هو أن يتحول سكان غزة إلى مجرد ورقة في صراع القوى السياسية.
فالناس الذين عاشوا الحرب لا ينبغي أن يُنظر إليهم باعتبارهم كتلة انتخابية، أو جمهورًا يمكن تعبئته خلف هذا الطرف أو ذاك، وإنما باعتبارهم أصحاب حق أصيل في الأمان والحياة وإعادة بناء مجتمعهم.
وإذا كانت حماس تريد العودة إلى العملية السياسية والمشاركة في الانتخابات، فإن عليها قبل ذلك أن تجيب بوضوح عن الأسئلة التي يطرحها سكان غزة، لا عن الأسئلة التي تشغل قيادات الحركة فقط.
هل تستطيع الحركة الاعتراف بأن سكان القطاع دفعوا ثمنًا هائلًا نتيجة قرارات لم يتخذوها؟
هل تستطيع أن تضع إعادة إعمار غزة واستعادة حياة سكانها فوق حسابات النفوذ السياسي؟
وهل تستطيع أن تقدم تصورًا يضمن ألا تتحول غزة مرة أخرى إلى ساحة لصراع تدفع العائلات المدنية ثمنه؟

بين الدعاية التليفزيونية والواقع

مقابلة حسام بدران تقدم صورة واضحة عن الطريقة التي تنظر بها حماس إلى المرحلة المقبلة: انتخابات، شراكة سياسية، ائتلافات، وتمثيل داخل النظام الفلسطيني.
لكن هناك صورة أخرى لا تظهر بالقدر نفسه في الخطاب السياسي؛ صورة غزة التي ما زالت تحمل آثار الحرب في كل شارع وبيت وأسرة.
وهنا يجب ألا تضيع أصوات السكان وسط تصريحات القيادات.
فالمسألة بالنسبة إلى أهالي غزة لم تعد مجرد سؤال عن من سيحصل على مقاعد أكثر في الانتخابات أو من سيمثل الفلسطينيين في المرحلة المقبلة. بالنسبة إلى هؤلاء، المسألة أبسط وأقسى: هل يستطيعون أن يعيشوا حياة طبيعية من دون حرب جديدة؟
قد تكون الانتخابات جزءًا من الحل السياسي، وقد تكون إعادة ترتيب النظام الفلسطيني ضرورة لا يمكن تجاهلها، لكن أي مشروع سياسي لا يضع الإنسان الغزي في مركزه سيظل مشروعًا ناقصًا مهما كانت شعاراته.

وبعد حرب بهذا الحجم، ربما يكون على كل القوى الفلسطينية أن تعيد النظر في معنى تمثيل الناس: فتمثيل الفلسطينيين لا يبدأ من صناديق الاقتراع، وإنما من حماية حقهم في الحياة، وعدم التعامل معهم باعتبارهم وقودًا لمشروعات سياسية لا يتحمل قادتها نتائجها بالطريقة التي يتحملها المدنيون.


بحث

ADS

تابعنا

ADS