ذكر ابن خلدون في مقدمته الشهيرة عن العمران ان “صناعة البناء هي اول الصنائع العمرانية واقدمها، وهي معرفة العمل في إنجاز البيوت والمنازل للسكن والمأوي للأبدان، فالإنسان في تفكيره في عواقب احواله لا بد ان يفكر فيما يرفع عنه الأذى ، من الحر والبرد كاتخاذ البيوت المكتنفة بالسقف والحيطان من سائر جهاتها” .
اذأ أهمية العمران للإنسان هي حمايته من الأذى والضرر وليس الاذي والضرر فقط الحر او البرد او المطر وما يشابه ذلك من عناصر المؤثرات الطبيعية علي حياة الانسان ولكن كل ما يضره , ومع تطور العمران في العقود الأخيرة خاصة بعد وضع اهداف التنمية المستدامة SDG’s من قبل الأمم المتحدة والتزام الدول الأعضاء بالسعي نحو تحقيقها , بدأت تظهر مصطلحات مثل جودة الحياة Quality of lifeوالمدن الملائمة والقابلة للعيش Livable cities ومن قبلها كانت قد ظهرت أنماط عمرانية تعبر عن التوجه نحو تطوير المدن مثل المدن الخضراء والمدن صديقة البيئة والمدن الذكية.
والمدينة الذكية هي تلك المدينة القادرة علي تحقيق جودة الحياة لمواطنيها والامن لهم من خلال اتمتة معاملاتهم وحياتهم واستخدام ما توصل له العلم البشري في تقليل الحركة الترددية علي الخدمات وفي تقليل الوقت والجهد في الحصول عليها , وبدأت الكثير من دول العالم وحكوماتها في التحول نحو الحكومات الالكترونية والاعتماد علي شبكات الانترنت وتفعيل أفكار المدن الذكية في العالم.
وحقيقة ان هذا التوجه رغم عدم اهتمام البعض بالأخذ به الا انه اثبت أهميته وفاعليته مع ظهور جائحة كورونا Covid 19 وما احدثته في العالم من تغييرات , حيث وفي أيام قليلة توقف السفر بين دول العالم وانقطعت المدن عن بعضها البعض بل والاحياء , واصطفت في المقدمة مصطلحات التباعد الاجتماعي والحظر والحجر الصحي , وصاحب ذلك توقف كامل للأعمال وظهور آليات العمل عن بعد والاجتماعات الافتراضية.
في الحقيقة ان هذه الجائحة وحسب المعطيات الحالية اعتقد انها ستدفع بقوة نحو التركيز علي زياده فاعلية المدن الذكية وظهور تطبيقات اكثر توسعا بها، سوف نجد الكاميرات الحرارية ومراقبة الأوجه والبعد عن الماكينات التي تعمل بالتلامس واستبدالها بماكينات الاستعمال الواحد، وربما تظهر أفكار المباني المعقمة ووسائل المواصلات المعقمة، سواء بالأشعة حسب ما اعلنت منظمة الصحة العالمية ان هناك بعض الأشعة تقتل الفيروس او بغيرها من الوسائل , وربما نجد أفكار مثل التجمعات السكنية المغلقة Compound المعقمة وتشديد الرقابة علي الانتقال والمداخل.
هذه الإجراءات بالطبع والتحول نحو أنماط تكنولوجية اكثر حداثة واكثر تعقيدا سترفع من تكلفة المناطق السكنية وستثقل كاهل المدن بمتطلبات لم تكن في الحسبان، قد تستطيع بعض المدن والتي تتصف بمستوي دخل مرتفع مع قاعدة تكنولوجية ملائمه من استيعاب تلك التغيرات والتقدم فيها، لكن كيف سيكون الحال في مدن مثل مدننا التي مازلنا نحاول معالجة عشوائياتها ومشاكلها المتراكمة وهي ابعد ما يكون عن الوصول الي المستوى الأول اللازم للانطلاق نحو المدن الذكية بجيلها الجديد الملائم لانتشار الأوبئة.
لذلك فان تداعيات هذه الجائحة عمرانيا ستتعدى مجرد تغيير مصطلحات التلاقي المجتمعي والاستخدامات المتعددة الي التباعد الاجتماعي والخدمات المنفصلة الي ابعد من ذلك حيث سيكون من متطلبات جودة الحياة وتحقيق الامن الصحي بالمدينة تحولها الي مدينه ذكية بمتطلبات تكنولوجية عالية التكلفة أجهزة تعقيم , شبكات سريعة للعمل عن بعد , أجهزة تنقية هواء للمباني من الفيروسات , أنظمة تخلص امن من المواد المستخدمة في التعقيم.
كيف يمكن لمدن مازالت تحبو نحو التحول الي العمران المستدام الذكي مجابه هذه التغيرات الفجائية العالية التكلفة؟ كيف ستتعامل الدول الغير قادرة اقتصاديا مع تلك المتطلبات؟
يجب علي المهتمين والمخططين زيادة البحث مع علماء التكنولوجيا والاقتصاد لإيجاد آليات اقل تكلفة واكثر فاعلية من الوضع الحالي، فقد تظهر تقسيمات للمدن تعتمد مثلا علي قدراتها الصحية وقد نغير من أنماط الاستهلاك ونستبدل المجمعات الاستهلاكية الكبرى الي مجمعات اقل، من الوارد ان نقوم بعصف ذهني جاد في مكونات المدينة.. ” توزيع الخدمات – حجم تلك الخدمات – الكثافة وعلاقتها بالقدرات الصحية لكل مدينة وحي – الفراغات العامة والساحات “.
ان المدن الصحية يجب ان تكون للجميع ,ولكن لا يساورني القلق من المدن التي تتمتع بقدرات مالية وقاعدة ذكية وثقافية قادرة علي استيعاب هذه التحولات – علي الرغم من ان استيعابها ليس بالأمر السهل – القلق كل القلق الان من المدن الفقيرة والمناطق طور التحول والتي ستكون الاكثر تأثرا.
هذا العصف الذهني الذي أطالب به يجب ان يكون الشاغل الأكبر للمتخصصين في هذه المجالات في الوقت الحالي حتى نستطيع الوصول الي حلول تقلل من الاثار السلبية علي عمراننا القائم وتتوافق مع قدراتنا المالية وطبيعة بلادنا.. ولنعلن مبادرة ” مدن ذكية وصحية للفقراء”
حفظ الله مصر
د.م. عارف عطية الشمندي
خبير التخطيط العمراني والمراصد الحضرية
aref_attia@yahoo.com
