ما يميز المسيحيين في جنوب مصر بشرتهم البيضاء، لكن ” حليم” صديقي وِلِدَ أسمر، وكان المدرسون لا يكفون عن ملاطفته، كان متفوقا، وجريئا، وضحكته الرنانة تسبب له الأذى!..
يقهقه لأتفه الأسباب، وضحكته ترج الفصل، يجذب إليه العيال فينصرفون عن متابعة الدرس، ويذهب إليه المدرس يزجره فلا يتوقف، فيرفع عصاه التي تنزل على جسد ممتلئ يهتز من نوبة الضحك، وكلما لسعته الضربات يعلو صوته بالضحك كأن العصا تزغزغه، وكان المدرس يتوقف عن ضربه ولا يملك زمام نفسه فيضحك بدوره، وينظر إلينا فتنتشر العدوى في الفصل ونظل نضحك!
كان حليم في الابتدائية سببا في سعادتنا، وفي الثانوية خصني بصداقته، عندما يتغيب عن منزلهم كانت أسرته تعرف أنه يقيم معي، وحين أقول لوالدي ” أنا هنام بره النهارده” يقول لي: “سلم على حليم”.
اعتمد عليه أبي فكان يأتمنه على أسرار البيت، ووثق والده في شخصي فكان يستشريني في تفاصيل حياتهم.
في رمضان كنت أحقد عليه لأنه الوحيد الذي يتناول طعام الغداء في منزلنا، وقبل أن ينتهي من الأكل يقول لأمي ” الشاي يا حاجه”
وأثناء صيامهم كانت رائحة الدجاج المشوي تفوح من مطبخهم من أجلي، كنت أغيظه وأنا ألتهم أنواعا من الطعام لا يجرؤ على الاقتراب منها فيضحك كعادته.
كان حليم رياضيا، عضلاته مفتوله، ولكماته توجع الحائط، إذا فكر أحدهم أن يتعرض لي لكمه في قفصه الصدري، فيتوقف لفترة عن التنفس.
لساني الطويل كان يوقعني في الكثير من المشاجرات، بينما نحولتي الواضحة كانت مطمعا لكل من يريد تأديبي، وظهور حليم في الصورة بجانبي كان يمنعهم عني ويصد آذاهم، فإذا عقد ما بين حاجبيه وشمر أكمام قميصه هرب الجميع..
دخل حليم في معارك كثيرة بسببي، ولم ينهزم مرة واحدة، وفي الحقيقة كنت أستغل عضلاته لفرض ما يحلو لي، في فناء المدرسة أفرض رأيي على الجميع، وفي تقسيمة كرة القدم ألعب مع الفريق دون أن يجرؤ أحد على تبديلي مهما كان آدائي سيئا.
واستخدم عضلاته أيضا للهروب من أعباء العمل مع والدي، ذلك أني كنت أترك لحليم آداء مهمة ما يكلفني به أبي من عمل شاق في الغيط، وأجلس أنا تحت شجرة الجوافة أقرأ القصص بينما يعمل هو بكل طاقته.
وحين أعود للبيت أخبر أبي أنني أنجزت المطلوب مني على أكمل وجه، وأقول له إن حليم لم يفعل شيئا سوى قراءة القصص تحت الظل، فتنفجر ضحكة حليم لتفشي السر ويبتسم أبي وهو ينظر نحوي في تأنيب لذيذ!
غيابه عن حصة التربية الدينية جعل الأولاد يكتشفون بسهولة أنه مسيحي، سرعان ما تسرب الخبر في مدرستنا الثانوية بأكملها، دق جرس الخروج، وبمجرد أن تجاوزنا باب المدرسة بخطوات قليلة رأيت الأولاد يهاجمونه بدون سبب والشجاعة في عيونهم، التفوا حوله ليصطادوه، وهم يرسمون بأصابعهم الصليب، ويسبون دينه،.
لم أر الخوف في عينيه، لكني رأيت شعورا بالظلم، لصقت ظهري بظهره واجهنا الدائرة سويا، صحيح أنهم هزمونا لكننا أصبناهم، كانت أول مرة أرى فيها دماء حليم، على وجهه، فمسحتها بطرف قميصي الذي تمزق من آثار المعركة.
كبرنا، وتزوجت فأحضر لي حليم ” آيات من سورة يس” علقتها في حجرة الضيوف، وتزوج فأهديت له صورة “العدرا” وهي تحتضن طفلها وكلما زرته وجدتها تنظر إليّ وتخصني بابتسامتها.
كان حليم متدينا، يذهب إلى الكنيسة ويحفظ الترانيم، غضب من زوجته التي لا تؤدي ما عليها من فروض، فلم يجد غيري ليشكو منها ، واتهمها أمامي بالتقصير وبأنها مسيحية بالبطاقة فقط، وطلب مني أن أنصحها لتتردد على الكنيسة وتنقذ روحها من الهلاك…
