عندما يصاب عزيز لديك بجلطة، ويحتاج لعناية مركزة، و”تلف” مصر كعب داير، ولا تجد سرير عناية مركزة فى أى مستشفى حكومى أو عام، وتجد نفسك مضطرا للذهاب إلى المستشفيات الخاصة، وليس بقدرتك المالية أن تعالجه فيها، وتكون النتيجة الحتمية أن يموت أمام عينيك، وأنت تشعر بالحسرة القاتلة تنخر فى كل أحشائك، يومها ستدرك معنى أن يكون لديك حاكما وحكومات فى بلدك، تستثمر في البشر قبل أن تستثمر في الحجر، حكومات ليس في قناعتها أن الحجر أغلى من البشر، حكومات تدرك أن عقلية واحدة في أمريكا وأوروبا، يمكن أن تنشىء شركة يصبح دخلها أعلى من ميزانية دولة بأكملها، ولعل سامسونج وجوجل وفيس بوك وغيرها شاهدة على صدق ما نقوله.
الغريب والمبكى على حال البلد من الناحية الطبية، أن كل المستشفيات الحكومية في القاهرة الكبرى، معهد ناصر والقصر العينى القديم، و6 أكتوبر للتأمين الصحى وغيرها اتفقت، عندما ذهبنا بمريض أمس لديه نزيف في المخ، ويحتاج لعناية مركزة، اتفقت كلها على نغمة واحدة “مفيش سراير فاضية”، وكل مستشفى ينصحك بألا تنتظر عندها، وأن تبحث عن مستشفى آخر، وكلما تذهب للمستشفى الآخر، ينصحك مسئولوه بأن لا تنتظر عندهم، وبأن تبحث عن مستشفى آخر، وعندما تذهب به إلى أقل مستشفى اقتصادى أو خاص من حيث السعر، تجد نفسك مطالبا بدفع 1700 جنيه في الليلة بعد أن تدفع 2000 جنيه تأمين، وذلك بدلا من أن تدفع في المستشفيات ذات السمعة والشهرة عشرة أضعاف ذلك المبلغ، وإذا لم يكن معك، فانتظر وفاة من معك، واكتم عليك أدمعك، وعش في نار وجعك، ومهما صرخت لن يسمعك أحد في بلد الطرشان.
نقص غرف العناية المركزة في مصر مشكلة مأساوية، يمكن حلها بسهولة، فحلها ليس صعبا، ولدى حكاية تؤكد أن حلها ليس صعبا، سأرويها لكم بسرعة، ” كان ياما كان، في قريب الأزمان، ثلاثة أولاد منايفة فوجئوا بأن أبيهم أصيب بجلطة، ولفوا كعب داير على المستشفيات الحكومية، وكان الرد عليهم “لاتوجد أسرة”، فذهبوا إلى مستشفى خاص، ولكن والدهم مكث فيه كثيرا، ووجدوا أن المستشفى يستنزفهم، فذهبوا إلى طبيب فقال لهم : كل ما تحتاجه العناية المركزة غرفة محكمة مكيفة وأنبوبة بخار وتعقيم مستمر ورعاية من خلال ممرضة مخضرمة و …، فقام الأبناء بعمل غرفة رعاية مركزة في بيتهم وتعاقدوا مع ممرضة وطبيب في نفس تخصص مرض والدهم، كلفتهم وقتها 50 ألف جنيه، و3 ألاف جنيه راتب للممرضة، و500 جنيه لكل مرة يأتى الطبيب المعالج له ليطمئن عليه ويعالجه، بناء على استدعاء الممرضة له، ومكث الرجل 7 أشهر، وفى النهاية توفى الرجل، ووقتها شعر الأبناء براحة ضمير وبأنهم فعلوا معه كل ما يمكن فعله، اعتقادا منهم بأنه لو كان قد دخل غرفة العناية المركزة في أحد المستشفيات الحكومية ما كان قد مكث فيها عشر تلك الفترة التى مكثها بغرفة العناية المركزة بالبيت”.
الحكومة التى لا تشغل نفسها بتطوير المستشفيات الحكومية، وتتركها مهملة، ومهما كانت الأسباب، هى حكومة لاتستحق ثقة الشعب فيها، وعليها ترك المسئولية لغيرها، فحل مشكلة نقص الأسرة بالعناية المركزة لشعب يعانى من خريطة مرضية مذرية، في مختلف الأمراض، ولديه نسبة كبيرة تصاب بالجلطات، يعتبر من وجهة نظرى أهم بكثير من حل أى مشكلة أخرى، فالصحة أحد أهم حقوق الإنسان، وهو حق لا يدانيه حق آخر، إلا الحق في التعليم الذى تتوافر فيه كل عناصر الجودة، وهذا بالمناسبة أحد حقوق الشعب بنص دستور 2014.
فحل مشاكل الصحة والتعليم في مصر، تحتاج لنسف التفكير التقليدى العقيم، الذى اعتادت الحكومات في مصر، أن تعمل به، وأن تجعله بوصلة تحدد بها أولويات المشاكل التى تحتاج لحلول سريعة، فنحن لدينا حكومات تعمل بمبدأ “إحيينى النهاردة وموتنى بكرة”، وللأسف هو مبدأ يحدد سلوكيات معظم المصريين، وكثيرا ما نجده في سيناريوهات أفلامنا ومسلسلاتنا الدرامية والكوميدية، وهو ما يفهم منه سر وسبب أن مشروعات مثل الإسكان وتدشين طرق وإنشاء كبارى مازالت حتى الآن تحتل الأولية الأولى في ذهنية حكامنا وخططهم التنموية، كما يفهم منها أيضا سر وسبب أن الصحة والتعليم كانت ومازالت في المرتبة الأخيرة بأجندات الحكومات المصرية.
المشكلة أكبر من ذلك بكثير، وهى مشكلة مهنة الطب نفسه في مصر، فأحيانا أسأل نفسى، هل مصر لديها طب حقيقى أم لا، وإذا كان لديها طب حقيقى نباهى به كل دول العالم، كما يقول البعض، فلماذا كل مسئول عندنا يسافر للعلاج في الخارج، حتى ولو كان مريضا بمرض، يعتبره محدودو الدخل، لضيق ذات اليد، بأنه مرض تافه، فلو أن المسئولين عندنا يعالجون في المستشفيات الحكومية لكانوا قد علموا مشاكلها، وكانوا قد طوروها، بدلا من تركها بلا أدوية، وحتى لا يتهمنى أحد بأننى مبالغا، لن أقول بدلا من تركها بلا أطباء!
الرئيس عبدالفتاح السيسى، يرفع دائما شعار “تحيا مصر”، وهو شعار يجمعنا معا على حب الوطن، ولكن مصر تحيا بشعبها، و لكى يحيا بالشعب، فلابد من الإهمام بالتعليم والصحة، فهما أهم من أى شىء آخر، ومن أى مشروع أخر، بما فيها مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، فالصحة تاج على روؤس الأصحاء، وبدونها تكون الحياة كلها جحيم، وهذا أمر يهم الجميع، فلا يوجد أحد يعيش طوال حياته دون أن يمرض، ولم يعد أحد من المصريين في مأمن عن ذلك الظرف المرضى الذى يضطره لرحلة عذاب البحث عن غرفة عناية مركزة، دون أن يجد سريرا لمريضه بحجة أن الأسرة لاتكفى.
المدهش حقا، أن مجلس النواب أصدر قانون التأمين الصحى الشامل، وهو نظام صحى يموله الأفراد وتموله الدولة لغير القادرين، والمفترض أنه يطبق من الآن كتجربة أولى في مدن القناة، والسؤال هنا، هل يوجد في هذه المدن مستشفيات بها غرف عناية مركزة، ولوكان هناك مثل هذه المستشفيات، فهل الأسرة فيها تكفى، وهل دخول العناية المركزة سيكون من حق المريض بموجب قانون التأمين الصحى الجديد، مهما كانت فترة تواجده فيها، وإذا كان له هذا الحق، فهل طورنا تلك المستشفيات لتكون قادرة على تطبيق نظام التأمين الصحى الجديد.
أهم ما نريد التركيز عليه هنا، هو أن نظام التأمين الصحى الجديد، يستوجب تطوير المستشفيات العامة والحكومية في كل محافظات مصر، لأن المستشفيات الخاصة عندنا، لن تكفى أبدا، لاستقبال الحالات الحرجة، وخاصة الحالات التى تحتاج لعناية مركزة، إذا مابقيت المستشفيات العامة والحكومية على حالها دون تطوير، ودون توافر العدد الكافى من غرف العناية المركزة فيها.
آخر ما يدور في ذهنى بشأن هذه المشكلة التى يعانى منها معظم المصريين، هو لماذ لايتم إنشاء مجمع طبى كبير، يتم تحويل الأمراض المحتاجين لعناية مركز إليه، هل هذا الأمر صعب، هل مستحيل، هل صعب علينا بأن نعمل في حياتنا وسياساتنا بمنظور أن الاستثمار في البشر أهم من الاستثمار في الحجر، وأن التنمية بالحفر في العقول أفضل عشرات المرات من التنمية بالحفر في الرمال، ليت الذين قصدتهم بكلامى يفهمون مغزى ما قلته لهم، فإذا كنتم بالفعل صادقين في شعار “عشان تبنيها”، أو شعار “عشان نبنيها”، فلابد من التمعن جيدا في سطور هذا المقال والهدف الوطنى من كتابته.
