في جيدها حبل من مسد

وجهات نظر , Comments Disabled

تلونت نبرات صوته بالغضب ملقيًا علينا باللائمة على ضياع القدس، استقرت سبابته عليّ من بين الحاضرين لخطبة الجمعة ليضرب مثالًا بحال المسلمين اليوم الذين تداعت عليهم الأمم كما تتداعى الآكلة إلى قصعتها وأن مسلمي اليوم هم غثاء سيل وجودهم كالعدم بعد أن دب الوهن في قلوبهم، وعلت حنجرته بالدعاء على الظالمين الكفرة الذين استباحوا مدن المسلمين المقدسة مبشرًا إياهم بعذاب كعذاب قريش الذين كذبوا الرسول وأن منهم سيكون مصيره حبل المسد الذي وعد الله بأن يكون من نصيب حمالة الحطب زوجة أبي لهب.

وانتهت خطبة الجمعة والصلاة والتي أظن أنها موحدة من الأوقاف وكلّ منا يلقى باللائمة على نفسه بأن سبب ضياع القدس هو ابتعاده عن الله، وكلّ منا أيضا ظل يفتش في أعماق نفسه عما ارتكب من ذنوب داعيًا الله بغفرانها وهو يتخيل العقاب الأليم لمختطفي القدس وأن سارة نتنياهو “المربربة” أو ميلانيا ترامب سيعلق في جيدهما حبل من مسد.

التعامل الطفولي من قبل المؤسسة الدينية لاحتواء غضب الشارع إزاء كارثة ضياع مقدس من مقدسات المسلمين يضعنا أمام تساؤلات عديدة أهمها غياب الوعي الحقيقي بالأزمة ودور الإعلام التوعوي وليس إعلام مطربات “أنا عندي ظروف” و”العتبة جزاز” والذي ساهم في تغييب الوعي كالمخدرات وبتنا معه “ملطشة” ونعيش على الهامش كائنات مستهلكة لكل شيء تأكل وتشبع غرائزها وتنام لتصحو في اليوم التالي تمارس ما فعلته في اليوم السابق وهكذا.

إن دولة الاحتلال على الدوام تشهد أعمالًا عنصرية وتفرقة بين مواطنيها اليهود الشرقيين “سفارديم” واليهود الغربيين “اشكناز”، وتطول هذه التفرقة والتمييز بشكل أكبر المواطنين العرب الفلسطينيين الذين يُنظر اليهم كمواطنين درجة ثالثة أو رابعة وتسعى إلى تكوين دولة يهودية دون الاعتراف بوجود مواطنين من الديانة المسيحية أو الإسلامية، وتضطهد الآخرين وتبني الجدار العازل، ولا تعترف بحقوق الآخرين على أرضهم التي سُلبت منهم، ورغم كل هذه الموبقات لكنها نجحت وبامتياز في تسويق نفسها على أنها الديمقراطية الوحيدة في محيط عربي محكوم من قبل أنظمة دكتاتورية استبدادية وصل أغلب حكامها إلى كراسي الحكم ممتطين فوهة الدبابات وعلى أسنة المؤامرات أو هم مومياوات حكم لبثوا على عروشهم سنينًا طوال لا يقتلعهم عنها سوى عزرائيل أو منبوذين من شعوبهم يتصورون العمى ولا يتصورونهم، بواسطة إعلام جعل الإسلام مرضًا يخشاه الغرب ويتلقف ما يقال لهم من الآلة الجهنية الإعلامية الإسرائيلية التي تتقن فن التخاطب معهم ومهما حاولنا مخاطبة هذا الغرب فكأننا أخرس يخاطب أعمى لأنهم سبقونا بمائة سنة ضوئية.

في مقدمة ابن خلدون جاء فصل بعنوان “الظلم مؤذن بخراب العمران” أو كما يروى “الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة”، فالعدالة إن توافرت في دولة نهضت واشتدت، وهو أيضا ما نجحت إسرائيل في تسويقه بأنها الدولة العادلة المحاطة بجزيرة كبيرة من الظلم، ودللت بوجود إيهود أولمرت أول رئيس وزراء سابق فى تاريخ إسرائيل يقبع وراء القضبان بسبب الرشوة وتضليل العدالة، وأن عدالة إسرائيل طالت أكبر رأس في البلد بل إن رئيس وزراء إسرائيل الحالي وزوجته مطاردان باتهامات قد تجعلهما يخرجان من كرسي الحكم لتستقبلهما السجون.

فالديمقراطية والعدالة ولن نسهب في الحديث عن التعليم والبحث العلمي والجامعات، نجح كيان استيطاني مغتصب في إرساء قواعدها فتحول إلى دولة بعد أن كانت مجرد عصابات صهيونية مشتتة في الأرض صدروا لنا الشتات والفرقة واستولوا على أولى القبلتين تحت سمع وبصر أمة كبيرة من المحيط إلى الخليج على طريقة “بص العصفورة”، فهل نبكي على اللبن المسكوب أم نصلح ما أفسده الزمن فينا.


بحث

ADS

تابعنا

ADS