التراث العمراني

وجهات نظر , Comments Disabled

طالعتنا وسائل الإعلام في الأسبوع الماضي بزيارة دولة رئيس الوزراء لمنطقة وسط مدينة القاهرة التاريخي والتراثي وتصريحاته عن ضرورة البدء في تطوير تلك المنطقة التراثية عالية القيمة والتي تعبر عن تاريخ وإرث حضاري وثقافي وعمراني لا يقدر بثمن، وبحكم دراستي لمنطقة القاهرة التاريخية أو ما يطلق عليها القاهرة الفاطمية في الماجستير الذي حصلت عليه عام 2011م واهتمامي الشخصي بهذا الجانب من العمران وحرصي وإيماني بأهمية دوره في تعظيم الهوية الثقافية والعمرانية للدولة، أحببت أن أشارككم رؤيتي المتواضعة في هذا التوجه من الدولة الذي تأخر كثيراً.

 

بداية علماء التراث والعمران أجمعوا على مبدأ في غاية الأهمية وهو:

“أن القيمة الجديدة لا يمكنها أن تنضج في فراغ ثقافي بل على العكس تنمو وتستمر وتزدهر مع القيمة الثقافية الموجودة في خضم التقاليد والموروثات العمرانية والتراثية الثقافية”

 

المناطق التاريخية التراثية تشكل مع مجموعة من القيم المتوارثة ثقافة الأمة، ثقافة الدولة، ثقافة المدينة، ومع التغير السريع في اتجاهات العمران الحديث وتوجه الدولة الحالي إلى إنشاء مدن عالمية حديثة بأحدث نظم العمران المستدام، لا يمكن أن يتم هذا بمعزل عن تراثنا الثقافي والعمراني، ويجب ألا يطغى علينا أفكار تهدف إلى التخلص من ثقافتنا العمرانية المتوارثة وموروثنا الثقافي و العمراني.

 

ولا يخفى على كثير من المتخصصين أن الدول والمدن التي سبقتنا في تطوير مدنها وحداثتها وبعد سنين طويلة من الانطلاق نحو المدن المنتشرة ما بعد الثورة الصناعية عادت إلى تعظيم دور التراث الثقافي والعمراني والعودة إلى تعظيم دور الموروث العمراني وذلك لأسباب منها:

  • ملائمة الموروث العمراني والتراثي للبيئة المحلية بكل دولة ومدينة لأنه قد نتج من ممارسات العمران المحلية من السكان ولم يصطنع أو يفرض بمخططات من الدولة.
  • هذا التراث العمراني يعبر عن هوية المجتمع وثقافته وتاريخه فهو مثل التسلسل العائلي والهوية التي يتعلق بها الإنسان في حياته التي تعبر عن أصله ونسله فالتراث العمراني يعبر عن أصل وتراث الدولة.
  • أن العمران التراثي يحقق الراحة ويراعي وسائل النقل المتاحة في عصر إنشاءه كما يراعي العادات والثقافات والتقاليد وقت إنشاءه.

ولقد ظهرت العديد من التوجهات العالمية في العودة إلى التقليدية والاهتمام بالتاريخ التراثي العمراني وأن تكون المدن الجديدة امتداد للتراث العمراني القديم وأبرزها حركة “العمران الحديث” New urbanism  التي ظهرت في أمريكا بداية التسعينات والتي تدعو إلى تحقيق الاستدامة الحضرية ولكن من خلال الحرص على التقليدية والانطلاق من الموروث الثقافي والتراثي لكل مدينة، ويهدف إلى تحقيق مجتمعات مستدامة منتجة، ملائمة للعيش مع الحفاظ على التراث العمراني والترابط الاجتماعي.

 

ولقد درست في بحث الحصول على الدكتوراه دور هذا النمط “العمران الحديث” في تحقيق الاستدامة بالمدن المصرية وكانت نتائج البحث هو العمران الحديث المصري Egyptian new urbanism  وهذا يحتاج إلى مقالات أخرى متتالية.

 

وحتى يمكن التعرف على أهمية تلك المنطقة التي صرح دولة رئيس الوزراء بالبدء في تطويرها علينا أن نعي أن هذه المنطقة هي النواة الأولى لنشأة القاهرة حيث يطلق عليها القاهرة التاريخية أو القاهرة الفاطمية وتضم أحياء الجمالية وباب الشعرية والسيدة زينب والأزهر والخليفة.

تتميز مدينة القاهرة بميراث متعاقب من الآثار القيمة حيث تعتبر منطقة القاهرة التاريخية “قاهرة العصر الوسيط” هي الأصل الذي نشأ منه قلب مدينة القاهرة، وظلت قلباً للمدينة منذ نشأتها وحتى أواخر القرن التاسع عشر الميلادي.

 

تأسست القاهرة عام 358هـ / 969م حيث وضع جوهر الصقلي أساس القاهرة واتبعتها بناء الجامع الأزهر عام 359هـ وكان أساس تخطيطها على شكل رباعي منظم وشغلت مساحة 340 فدان مقسمة 60% منها أحياء سكنية، 40% قصور وحدائق، وبنيت مدينة خاصة لا يسكنها إلى الحكام وأتباعهم من الوجهاء وذوي السلطان ولقد شيدت القصور والساحات الرئيسية حول شارع المعز لدين الله الفاطمي “قصبة القاهرة” والذي يعتبر الشريان الرئيسي للحركة في ذلك الوقت وينتهي ببوابتين رئيسيتين هما باب الفتوح وباب زويلة.

 

وهي الحقبة الرئيسية التي كونت المدينة التاريخية التي نحن بصددها وهي عبارة عن تجمع مجموعة من النقاط العمرانية التي تمت منذ فتح مصر عبر الحقب السياسية والإدارية المختلفة، وهي بالترتيب الزمني الفسطاط عام 640م – العسكر العام 750م – القطائع عام 870م – القاهرة عام 358هـ ، 969م – القاهرة الأيوبية عام 117م – القاهرة المملوكية 1780م – القاهرة في العصر التركي عام 1825م – القاهرة الحديثة.

 

 

ونتيجة الإهمال وسوء إدارة هذه المناطق التاريخية التراثية ظهرت بها العديد من المشاكل وانفصلت عن الواقع العمراني وبدلاً من كونها إرث ثقافي وتراثي عالي القيمة مسجل بمنطقة اليونسكو ضمن المناطق التاريخية العالمية التي يجب الحفاظ عليها تحول إلى منطقة عشوائية ضربها الإهمال وهجرها السكان لتتحول إلى سكن منخفض الجودة ومخازن ومناطق تجارية دمرت البنية التحتية وأثرت على محاور الحركة والمباني التاريخية والقديمة وكان من أهم المشاكل التي ظهرت بها:

  • سوء حالة الطرق واختناق محاور الحركة.
  • عدم ملائمة محاور الحركة للأغراض الخاصة بالمناطق التاريخية.
  • التعدي على المباني التاريخية وسوء استغلالها أو تهدمها وإهمالها.
  • سوء حالة البنية التحتية وتأثيرها على المباني التاريخية.
  • انتشار البناء العشوائي والسكن منخفض الجودة وتشويه المباني التاريخية.
  • انخفاض البيئة العمرانية بالمنطقة وتدهورها.
  • تدهور حالة العمران التراثي والعمران الحديث الذي لا يتلاءم في حالته العمرانية أو تصميماته مع أهمية المنطقة التاريخية.

ولقد حاولت الدولة كثيراً عبر أزمنة متعاقبة إيجاد حلول لتطوير تلك المنطقة التاريخية الهامة وتحويلها إلى مكان جذب سياحي وتراثي وثقافي، ولكن دائماً ما كانت تلك المحاولات تفشل في ظل استغلالها تجارياً وسيطرة رؤوس الأموال ودفعها ضد التوجه إلى تطويرها.

 

ونأمل أن يكون التوجه الحالي للدولة في ظل قيادة رشيدة ومتخصصة تستطيع وضع تصور لتطوير المنطقة وجعلها قبلة تراثية وثقافية مثل المناطق المشابهة بالدول الأوربية والأمريكية.

 

ونكتفي في هذا المقال بأهمية هذه المنطقة ولماذا تسعى الدولة إلى تطويرها وإن شاء الله في المقالات التالية نضع بعض التوجهات العامة التي تحكم آلية هذا التطوير والأسس التي يجب تحقيقها حتى نصل لمنطقة ملائمة تعبر عن الهوية الثقافية والتراثية لمصر.

حفظ الله مصر وشعبها

د.م. عارف عطيه الشمندي

خبير التخطيط العمراني والمراصد الحضرية aref_attiia@yahoo.com


بحث

ADS

تابعنا

ADS