كانت صورة إسرائيل قبل ثورات الربيع العربى التى تحولت إلى خريف عربى، سيئة للغاية، فى الذاكرة الجمعية العربية، بسبب مشاهد القتل البشعة للأطفال وللمدنيين العزل فى غزة وجنوب لبنان، على أيدى قوات جيش الاحتلال الإسرائيلى، وخاصة خلال حروبه العدوانية التى خاضها ضد الشعبين الفلسطينى واللبنانى، منذ عام 2000 وحتى 2012، بذريعة الدفاع عن النفس ضد أعمال حماس وحزب الله، والتى تعتبرها حكومات تل أبيب أعمال إرهابية، فى حين يعتبرها الحزب والحركة أعمال مقاومة مشروعة.
ولو كانت حكومات إسرائيل قد أنفقت عشرات المليارات من الدولارات، لكى تحسن تلك الصورة الرديئة، ما كانت قد استطاعت تحقيق ذلك، ولكانت قد فشلت فشلا ذريعا فى تحقيقه، حتى ولو قامت بتنفيذ حملات علاقات عامة وحملات دبلوماسية عديدة بمعرفة وزارة خارجيتها وأجهزة استخباراتها، وساعدتها فيها وزارة الخارجية الأمريكية، أو ساعدتها فيها وزارات الخارجية فى الدول الأوروبية الكبرى، المعنية بضمان ترسيخ الأمن والوجود الإسرائيلى فى منطقة الشرق الأوسط.
تنظيم الدولة “داعش” استطاع وبسرعة الصاروخ، أن يحقق لإسرائيل هذا الهدف الذى كانت تحلم بتحقيقه، وتراه مستحيل التحقق بسبب المجازر الدموية وحروب الإبادة الجماعية التى ارتكبتها ضد الفلسطينيين واللبنانيين والعرب على مدار الستين عاما الماضية، وخاصة تلك التى ارتكبتها فى السنوات العشر الأولى من الألفية الثالثة، والتى تم توثيقها بالصوت والصورة بفضل الثورة الرقمية، المعروفة علميا بـ “الرقماتية” .
فداعش وممارساته الإجرامية البشعة، من ذبح وجز للروؤس، واستهدافه للأطفال واستباحته للحرمات، والنتائج التدميرية للحروب التى تسبب فيها، فى العراق وسوريا، وكان طرفا فيها بدافع إحياء الخلافة المزعومة، رسمت صورة فى الذهنية العربية لفئة من العرب والمسلمين أكثر بشاعة من صورة إسرائيل البشعة، وليس من المستبعد أن تتجذر تلك الصورة البديلة خلال الفترة المقبلة فى الذاكرة الجمعية للعالم العربى، لتكون جزءا لايتجزأ من الذاكرة الجمعية للعرب.
تغيير الصورة واستبدالها بصورة أخرى يحتاج لعشرات السنين، بل لمئات السنين فى الظروف العادية، خاصة وأن التصورات والرؤى عن الآخر، تحتاج لوقت طويل جدا لتغييرها، وبالتالى كان لابد من عمل سياسى وعسكرى دراماتيكى فى المنطقة، يعمل على تسريع تغيير الصورة، فى اتجاه قبول العرب، كل العرب بالوجود الاسرائيلىفى المنطقة، واعتبار دولة إسرائيل جزءا أصيلا من المنظومة الأمنية والسياسية فى منطقة الشرق الأوسط، وهو ما نلمسه حاليا بمثابة حقيقة مستجدة على أرض الواقع، من خلال إقدام دول عربية على تغيير سياستها تجاه تل أبيب، وإبداء تصرفات بعينها تجاه إسرائيل تبدو كما لو كانت “تطبيع سرى ” للعلاقات مع الدولة العربية.
تلك المهمة الجسيمة التى تنقل إسرائيل من خانة العدو المغتصب للأرض إلى خانة الصديق أو الحليف السرى، وتقلب واقع الحال فى المنطقة رأسا على عقب، لدرجة أنها تبدل بعض الثوابت لمتغيرات، وتعصف ببعض الثوابت الأخرى وتمحوها من المعادلة، ما كان يمكن أن تحدث بـ “الصدفة”، بما يعنى أنها جاءت بتخطيط مسبق ومحسوب بدقة متناهية، من جانب أجهزة استخباراتية دولية تعمل لخدمة دولة إسرائيل ومستقبلها وضمان تحقيق أمنها واستمرار وجودها، وهذا كله يعزز إلى حد كبير، صحة الفرضية القائلة بأن تنظيم الدولة “داعش” صناعة صهيو- أمريكية .
وبقراءة متأنية للمشهد الإرهابى وتوابعه، مع الأخذ فى الاعتبار ما أشرنا إليه وما أوضحناه، فإن إطالة أمد الإرهاب فى مصلحة الحلف الصهيو- أمريكى، وقصر أمدها من خلال هزيمة سريعة وساحقة للإرهاب والإرهابيين فى مصلحة دول المنطقة، أى فى مصلحة الدول العربية، وهما هدفان متعارضان، ولا يمكن نجاح العرب فى تحقيق الهدف الأفضل بالقياس على مصالحها الوطنية والقومية، إلا بفهم وإدراك الهدف الصهيو- أمريكى الخبيث فى المنطقة.
