يحدث في مصر فقط.. طالب الطب ينادونه يا دكتور ويعاملونه كطبيب فعلى، وخريج الحقوق المحامى يدعونه سيادة المستشار، والخريج بلا مكتب يدعونه المتر، فإذا أرادوا الحط من قدره قالوا صبى الأفوكاتو.
أما القاضى والمستشار فيقولون لهما سيادة الوزير خاصة على مواقع التواصل الاجتماعى، ناهيك عن ضباط الداخلية والقوات المسلحة ففلان بيه وسعادة فلان باشا ومعالى الباشا وصولا لبقية الوظائف والمهن في المجتمع، فالمدرس هو المستر والمدرسة المس.. وهلم جرا.
لقد رمينا وراء ظهورنا ما كان آباؤنا وأجدادنا يعانون منه من فوارق ومسميات في عصر التراكوة ثم الاقطاع ومجتمع النصف في المائة واستعدنا مرحبين ماعانوا منه لنتنادى بيننا بكل ما رفضه وتلظى بناره الآباء والأجداد وتمتعوا حينا من الدهر بمناداة الأدنى للأعلى بلقب السيد فلان، ومازالت مكاتباتنا تتصدرها جملة السيد فلان وتسللت نفاقية البعض شيئا فشيئاً لتزيحها سيادة الباشا أو سعادة البيك.
وإذا كانت تلك المسميات تحقق انشكاحا وفرحة داخلية لدى ضعاف النفوس من الكبار فلاشك أن الواثق منهم في نفسه لا يشعر فيها بتميز أو درجة علو، بل يدرك في قرارة نفسه أنه بصدد شخص منافق يطلب منه قضاء حاجته بأى شكل حتى لوكان ذلك الشكل متجاوزا للحق والعدل، وبالتالي فه ويواجه مأزقا لتمرير طلب في غير أوانه أو أحقيته، وبالتالي فهو إن استجاب لذلك التملق يدفع الثمن من كرامته وحرصه على إحقاق الحق.
وما أشدغرابتنا، ونحن ما بين ضعيف متملق يتخذ من التزلف بالكلام وسيلة لقضاء حاجته، وما بين صاحب سلطة يبذل من كرامة نفسه ومنصبه ثمنا لخضوع لكلمات بلا مضمون لتشبع في نفسه ضعفا إنسانياً مرذولا، وما أشبه ذلك الأمر بنهى القرآن للمرأة أن تخضع بالقول فيطمع الذى في قلبه مرض، وما أكثر من يخضعون ويخضعن بالقول تزلفا ونعومة وتملقا فيخضع الذين في قلوبهم أمراض النقص والرغبة في الإحساس بحاجة الناس إليهم وإلى تملقهم.
