زمن الجيوب الخالية والقلوب الحانية

وجهات نظر , Comments Disabled

القاهرة أول سبعينيات القرن الماضى، أواخر أغسطس 1970 بعد أن دار بعائلتى الصغيرة الزمن دورته بالقاهرة نازحين إليها من القرية، وبعد أن قضينا خمس سنوات ما بين عدة مناطق بالقاهرة استقرت بنا مركب الحياة على بر شبرا حيث الأقارب والمعارف من أهل القرية المستقرون بالقاهرة قبلنا.

نعم كانت لافتة “شقة للإيجار”أو”حجرة للإيجار” يكاد لايخلو منها شارع أو حارة أو زقاق بقاهرة المعز، بل عاينت بنفسى بعض أصحاب تلك الشقق وهم يقومون بتبخيرها طلبا لفك نحسها وشغلها بساكنين بدلا من خوائها.

ولعل هذا ماكان سببا فى أننا خلال تلك السنوات الخمس من عمرنا قد حطت رحالنا بثمانية أماكن للمعيشة بها ما بين مناطق العباسية ومنشية الصدر ومنشية البكرى وأخيرا شبرا.

كان الحصول على مكان بديل للعيش فيه أيسر الحلول كلما عافت أنفسنا مكانا وبعضها لم يستقر بنا المقام فيه إلا لأسابيع قليلة. المعروض من الشقق والحجرات المشتركة فى شقة واحدة كان كثيرا غزيرا وإيجاره بقروش أو جنيهات لكن ذات اليد كان ضيقا، فذات اليد هذا هو مادفع بنا وبالآلاف مثلنا للعيش فى شقق مشتركة أكثر من مرة، ولا أخفيكم القول كيف كانت تلك العيشة المشتركة صعبة.

لكن الغريب أن صعوبتها لم تكن نابعة من أسباب إنسانية ، فالناس كانوا يمتلكون من رحابة الصدور والنفوس ماكان كفيلا بتقبل العيش السلمى الراضى فى شقق مشتركة؛ كانت الصعوبة فقط فى تلبية المكان لحاجات الإنسان البشرية خاصة ودورات المياه كانت بالتبعية مشتركة، والصالة المشتركة كانت تستوعب كل ساكنة بوابورها الجاز تشعله وتسوى طعام أسرتها عليه، فتخيل شقة من ثلاث حجرات كانت تستوعب ثلاث أسر صغيرة تطبخ ثلاثة أشكال من الطعام، وبالطبع يتصادف مع ذلك أن يكون يوم غسيل إحدى الساكنات بالشقة فتضع طشتها وبستلة الغليّة فوق الوابور أمام باب الحجرة والأخريان تصنعان طعام أسرتيهما، وتنادى الحاجة صاحبها ليدخل دورة المياه كى يقضى حاجته بينما بالحجرتين الأخريين من ينتظر دوره فى دخول الدورة، فمابالك حين يكون من بالداخل امرأة وهناك رجل يريد قضاء حاجته! والعكس أيضا كان يحدث!

بل قمة رحابة النفوس والمواطنة بأجلى معانيها فى ظل تلك الأحوال الضيقة حين كانت تتجاور أسرتان وتتشاركان شقة ؛ أسرة مسلمة وأسرة مسيحية، وهذا الواقع تكرر أمامنا فى شبرا مع بعض جيراننا بالبيوت المجاورة بالحارة أو بالشارع، ولم يحدث بين الأسرتين ما يحدث حاليا بين أخين متجاورين تجمعهما شراكة الدم والحياة!

قلة ذات اليد كانت هى العامل الرئيسى فى تلك المشاركات الحياتية الصعبة، التى ـ وياللغرابة ـ لم يدرك أفرادها صعوبتها إلا بعد أن انفتحت الدنيا أمامهم وزال ضيق المشاركة وزادت رحابة الأماكن وتعددت أملاك الناس.

نعم قلة ذات اليد مابين رواتب تحتسب بجنيهات قليلة مفرداتها بالقرش والمليم وكذا المعاملات المادية فى البيع والشراء بالقروش والملاليم والنكلة التى تعادل مليمين والقرش الأبيض الذى هو خمسة مليمات ومنه كان المثل الشعبى (القرش الأبيض ينفع فى اليوم الأسود )، والقرش الصاغ الذى هو عشرة مليمات، ثم النصف أفرنك الذى هو قرشان والخمسة أبيض كما كان يطلق عليه ويساوى قرشين صاغا ونصف القرش ثم الخمسة قروش المدللة باسم ربع ريال والعشرة قروش المفخمة باسم نصف ريال ثم الريال ذى العشرين قرشا فربع الجنيه فنصف الجنيه فالجنيه الذى هو حاليا طريد التعامل مبخوس الحق مهضوم المعنى، وما كثرة التفريعات المادية ومفردات المعاملة إلا نتاج ضيق ذات اليد من وجه، ومن وجه آخر كان كما رحابة النفوس وقتها دلالة بركة ورحابة فى معاملات مالية حكم عليها زمننا بالإعدام والابتعاد عن ذاكرة الأيام إلا لمن عاشها.

نعم كان ضيق ذات اليد مثلا يحول دون الحصول على شقة مستقلة وهى متاحة بوفرة لكن من كان فى استطاعته وقتها منذ نصف القرن أو أكثر أن يدفع إيجارا شهريا يقدر مثلا بخمسة جنيهات أو حتى ما دونه بجنيه أو جنيهين؟ كانت قيمة الإيجار تلك توازى مرتبا كاملا لعامل بسيط ، كان أبى رحمه الله  يتقاضى مادون الخمسة جنيهات راتبا نعيش به وأتعلم منه ونكتسى ونتداوى أيضا من تلك الجنيهات البسيطة القليلة. لذلك كان إيجار الشقة الكاملة فى استطاعة أسرة فى الطبقة المتوسطة ، أما الطبقة الدنيا وقد كانت أغلبية فالجنيه كبيرها وتثنيته أمل بعيد المنال ، وبالتالى صارت الشقق الرحبة فى المناطق الشعبية بين أيدى الطبقة المتوسطة ، فإذا انتقلنا للمناطق فوق الشعبية أو الأرستقراطية فالعشرة جنيهات شهريا كانت كفيلة بسكنى شقة فخمة على شوارع كبرى وأحيانا تطل على النيل، ومازالت نسبة ممن سكنوا بتلك الشقق فى الستينيات وأوائل السبعينيات يقطن معمروهم أو ورثتهم فى ذات الشقق التى استأجروها منذ ستين عاما أو أقل قليلا، وهى ذات الشقق وغيرها بالمناطق الشعبية التى تشكل كل دورة برلمانية مادة لإكساب الدورة زخما وسخونة بالتلويح بمناقشة الإيجارات القديمة ومحاولة تحقيق بعض العدل لمالكى تلك الشقق وورثتهم بل ورثة الورثة، وتنقضى الدورة بعد الدورة ويبقى الوضع على ما هو عليه.ويبدو أن نصف أعضاء البرلمان من ساكنى الشقق القديمة والنصف الآخر من الملاك والورثة يدور الصراع طوال الدورة وينتصر فى النهاية المستفيدون من بقاء الوضع على ماهوعليه!

وتعود بى تلك التفاصيل مقارنة مع الواقع الحالى، ويصيبنى هم وغم كبيران  إزاء سؤال يلح على نفسى: أليس المنطقى أن يجتمع اتساع المكان ورحابة ذات اليد مع رحابة النفس واتساع الصدر، فلماذا لا يجتمعان فى عصرنا؟.


بحث

ADS

تابعنا

ADS