عشنا جيلا يلتمس الجمال ويتذوقه فيما وفيمن يحيط به ويعايشه،ولعل حظ جيلنا وما سبقه بعقود وما تلاه مباشرة كان من الفئة عالية التصنيف فى كل مجالات الحياة وما يخص الدنيا والآخرة.عشنا جيلا يضم أسماء وعباقرة فى مجالاتهم جمعتهم الموهبة الفطرية وروح الهواية فيما يعملونه ،وصقلت مواهبهم تلك صبغة العلم فى مجالهم وازداد بريقهم بنا نحن المتابعين المستمتعين،وكنا نحن فى النهاية الفائزين بإبداع وعالم من الجمال الذى مايزال يرفرف علينا ويخفف عنا عنت وبؤس وجدب سنوات خداعات امتلأت بكل الموبقات والفقر فى الفكر والتصنع فى الموهبة والزيف فى الوجوه والشراسة فى الصراع على كعكة كراسى الصدارة.
كان ذهنى ومثلى كثيرون فى جيلى يمتلئ بإشعاع الشعراوى وخواطره ،وتنوير الغزالى وثورته العقلية الدعوية وجدية جاد الحق وثباته على الحق فى وجه من أرادوا غير ذلك ، وزهد الشيخ عطية صقر وعلمه الغزير ومقعده الأثير الذى جاورته فيه عدة مرات فى ترام شبرا لأنه لم يمتلك سيارة خاصة ،وكم توافق ركوبنا معا من محطته بشارع شبرا واقتربت منه واستفتيته ذات مرة فى مسألة أرهقت بالى وهددت راحتى لفترة. وعايشنا دولة القراءة للقرآن الكريم مابين ضابطها المعلم محمود الحصرى وشاديها المشجى مصطفى إسماعيل وكروانها المغرد عبد الباسط عبد الصمد وخيالها المنطلق محمد صديق المنشاوى ومجددها الممتع الطبلاوى وعشرات من الأسماء التى يكفى كل منهم عالما كاملا ليشغله ويمتعه ويؤثر فيه .وعشنا واستمر بنا الحال فخورين بمعايشة هذه الأسماء ومجايلة زمن نضجها وفوح عطرها يضبط إيقاع حياتنا الروحية ،يشيع الاعتدال ويضبط الجنوح ويعيد الشارد منا إلى سواء الطريق.
ولم تحرمنا أقدارنا أن نعايش أساطين الأدب فنعاصر نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس ويوسف السباعى وعبد الرحمن الشرقاوى وثروت أباظة ونلامس طه حسين ونقترب من العقاد ونتفاعل مع أشعار العديد والعديد من معاصرينا ونتسابق لاقتناء كتبهم ودواوينهم ومتابعة أمسياتهم على الشاشة الصغيرة وفاروق شوشة يستخرج منهم فى أمسيته الثقافية شهد فكرهم كما تفعل النحلة وهى تجوب الحقول والحدائق فتمتص وتفرز خلاصة مشاويرها الماراثونية عسلا فكريا سائغا شرابه لكل عطشان للمعرفة..شاهدناهم وتابعناهم وقرأنا لهم فى الصحافة الورقية وربطونا معها بعلاقة متينة حببتنا فيها وجعلت منها أملا لبعضنا وأنا منهم أن نلتحق بهذا العالم المثير الأثير بأعلامه الكبار هيكل والأخوين مصطفى وعلى امين والفارس جلال الدين الحمامصى وإبراهيم سعدة وموسى صبرى ووجيه أبو ذكرى،وأشعل عالمهم فينا دنيا من الخيال أن يكون اسم أحدنا ذات يوم مصفوفا أسفل مقال أو تحقيق أو خبطة صحفية تنتزع الإعجاب وتثير الراكد وتصلح المعوج.
وتبعا لقانون الحياة بالمتعة البريئة لم يكن الفن أقل جودا وكرما فيمن عايشناهم وأثاروا إعجابنا وخطف بريق إبداعهم دقات القلوب تارة واندهاش العقول تارة ثانية وارتياح النفوس تارة ثالثة، وهل زمن به أسماء كأم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش ومحمد قنديل إلا عالم من المتعة والطرب الحقيقى المخاطب للعقول والقلوب ، قبل أن يتحول فى هذا الزمن إلى مجرد مثير للشهوات ومخاطب للأجساد وطالب لمغيبى العقول والوجدانات والدعوة الصريحة للفساد والمجون وانتهاك الحدود الربانية فيما يسمى بالمهرجانات.
حتى اللعب واللهو مع الكرة وشقيقاتها من الرياضات كانت زمنا من المواهب الهاوية دون الاحتراف والاغتراف المفسد للاعبين والجماهير،عالم من الانتماء للون الفانلة التى ينتمى لها اللاعبون فيرفضون الانتقال لناد آخر مهما كانت المغريات،زمن بمواهب الخطيب وحسن شحاتة وفاروق جعفر وحسن حمدى وإكرامى وعلى أبو جريشة والشاذلى وعديد من الأسماء التى استمتعت فأمتعت ولم يكن هناك فساد القنوات الرياضية ولابذاءة أشخاص يجلسون أمام الكاميرات أو سخافة المداخلات ممن يفترض فيهم نشر روح المحبة بين الناس فإذا بهم لاتهدأ لهم ثائرة إلا وهم ينشرون الفساد والتعصب وينتهكون الأعراض ولايرعون من يتابعون تلك القنوات فى أنفسهم ولا فى أولادهم.
هذا كان زمننا وهذا ما آل إليه حالنا وما كان كورونا إلا استجابة حتمية لواحدة من اثنتين :إما أن نعدل من أنفسنا ونغربل حياتنا من موبقاتها،وإما أن نواصل غينا فنستحق الفناء والعذاب.
