لعل البعض إن لم يكن الكثيرون منا قد قرأوا أو سمعوا بواحد من الأحاديث النبوية الصحيحة الواردة فى الصحيحين، ذلك الذى روى عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة، فقال: هذا لكم، وهذا أهدي إلي، فقام النبي صلى الله عليه وسلم: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: “ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي إليّ؟. ألا جلس في بيت أبيه فينظر أيهدى إليه أم لا!! والذي نفس محمد بيده، لا نبعث أحداً منكم فيأخذ شيئاً إلا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تبعر، فرفع يديه حتى رأيت عفرة إبطيه فقال: اللهم هل بلغت ثلاثاً”.
ومعنى الحديث: أن من تولى ولاية وقدمت له هدية من أجل ولايته لم يجز له قبولها، لأنها كالرشوة.
هذا حديث يؤصل لحكم دينى فى مسألة الرشوة أو الهدية بغرض قضاء مصلحة لدى مسئول أو موظف عام أو حتى تزلفا إليه.. هى تأصيل لمن يعتنقون الدين ويؤمنون بشرعه الإلهى ويأخذون بسنة صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم.
ومع هذا فالواقع يؤكد أن هذا الأمر مما يضرب به عرض الحائط ليل نهار فى السر والعلن على كل المستويات تقريبا إلا النزر اليسير ممن تحيك فى صدورهم المسألة فيترددون قليلا أو يتمنعون قليلا لعل الأمور تنقضى بلا خسائر مادية أو خسائر نفسية، ومع ذلك فلنراجع أنفسنا قليلا فى كل مصلحة تنقضى دون رشوة أو رشة جريئة على صغار الموظفين قبل كبارهم، المؤكد أننا سنتمكن من إحصاء ما يمضى دون شخللة، لأن ما دون ذلك هو القاعدة المؤسفة حتى مع تغير أنماط الوظائف واللجوء بنسبة كبيرة إلى الأعمال الآلية، مع الاعتراف أنها قللت كثيرا من التعامل المباشر عبر المكاتب والشبابيك المزدحمة التى تروج فيها شخللة الجيوب وجود الأيادى.
بل وصلت الأمور لتجمد قضاء المصالح أحيانا لحين تفتيح المخ واللحلحة مع الوسيط، وتحولت المسالة إلى مسألة تدلى فيها دار الإفتاء بدلوها ويجيز بعض شيوخ الفضائيات مسألة الرشوة إذا لم يكن هناك طريق آخر للحصول على الحق أو قضاء المصلحة.
ولايخفى ما جره ذلك من فساد يغرق الرءوس فى المحليات والهيئات المختلفة ،ناهيك بالطبع عن تعدد أشكال الدفع وتنوع صرخات المجاملة والتزلف على قدر المطلوب ونزعة صاحب التوقيع المهم.
بعض من الخواطر التى تسرب معها الحزن إلى قلبى ونحن لانتوقف عن الكلام عن الحلال والحرام بينما هناك فى كوكب اليابان ممن يعبدون الإمبراطور وأتباع الأديان السماوية لديهم نسبة مئوية لا تتعدى واحدا فى المائة ـ هناك فى تلك البيئة اللادينية التى يشيع فيها الانتحار نقرأ خبرا صغيرا عن استقالة ماكيكو يامادا المتحدثة باسم رئيس الوزراء اليابانى يوشيهيدى سوجا، بعدما تم توبيخها وغيرها من كبار البيروقراطيين لحضورهم عشاء باهظ الثمن استضافه نجل سوجا.
وواجهت إدارة سوجا بما فى ذلك وزير العلاقات العامة بمجلس الوزراء يامادا (60 عامًا), غضبًا شعبيًا بعدما كشفت المجلة الأسبوعية شوكان بونشون أن نجل سوجا الأكبر “سيجو” وهو مسئول تنفيذى فى شركة تنتج برامج تليفزيونية لإذاعة الأقمار الصناعية، دفع ثمن وجبات عشاء باهظة الثمن لكبار البيروقراطيين.
ويحظر قانون أخلاقيات الخدمة المدنية الوطنية فى اليابان على الموظفين الحكوميين تلقى الهدايا أو وسائل الترفيه من الشركات أو الأفراد التى يمكن أن ينظر إليها على أنها تملق. ووفقا لتقارير اعلامية محلية, فإن العشاء تكلف 696 دولارًا.
وإذا أصابتك الدهشة مثلى فقد وصلت الرسالة،أما إذا لم تصبك الدهشة فأرجوك أن تقرأ الموضوع مرة ثانية.
