لا شك أن الوطن في عيون الشعراء يتمتع برؤية فنية صادقة، تضفي على صاحبها رونقا من الحب والإخلاص له، فتجعل الشاعر ينتقي ألفاظه المعبرة بعناية كما تنتقي ربة المنزل ما تريد طهيه لأولاده، وهي صورة تتباين عند الشعراء، وتختلف من جيل إلى جيل، ومن بلد إلى بلد، كما أن الشاعر يتمعن في اختيار الصورة الشعرية التي تتواءم مع الحالة النفسية التي يريد التعبير عنها تجاه وطنه _وله كل الحق في ذلك _ فالوطن هو رحم الأم الذي ينمو فيه الشاعر، ويتغذى على حبله السري، ويمرح في جنته آمنا مطمئنا وعندما ينضج الشاعر يحاول رد شيء من الوفاء والفضل لوطنه العائل له فالوطن عائل من لا عائل له، وهكذا نرى أن تفنن الشاعر في وصف مشاعره تجاه وطنه إنما هو ضرب من إخلاص الشاعر لوطنه، وتفانيه فيه، فحب الوطن _لا شك _من الإيمان، وكما يقول الرافعي :
ولا خير فيمن لا يحب بلاده …….ولا في حليف الحب إن لم يتيم
ومن تؤوه دار فيجحد بفضلها……….يكن حيوانا فوقه كل أعجم
ومن يظلم الأوطان أو ينس حقها …….تجئه فنون الحادثات بأظلم
نعم حب الوطن من الإيمان… وتبت يدا كل من كره وطنه أو ظلم بني وطنه أو استعدى على وطنه بأعاديه، فالأخوة الوطنية لا تختلف عن الأخوة الإنسانية أو الدينية، بل هي جوهر الحرية الحقيقية الممزوجة بشذى الحب ووشائج الاحترام، فأنت أسد جسور في وطنك، وزعيم الزعماء في مملكته،وأنت إمبراطور الأباطرة، وقيصر القياصرة، وكسرى الأكاسرة، وفرعون الفراعنة، أنت بوطنك كل شيء وبدونه لا شيء.
ومن عشق الشعراء لوطنهم نرى أحمد شوقي بك أمير الشعراء يقول :
وطني لو شغلت بالخلد عنه ……….لنازعتني إليه في الخلد نفسي
هذا وإن كانت الجنة وطن لا يقارن به أي وطن مهما علا شأنه _فهي بلا شك وطن الأتقياء فحسب ومدينتهم الفاضلة، فالشاعر يجعل وطنه من فرط حنينه إليه أولى بالوفاء من الجنة _لأنه لم ير الجنة بعد – ولم يعش بها، لكنه عاش بوطنه، وهو ضرب من الغلو المقبول.
كما نرى الشاعر أحمد رامي يقول :
مصر التي في خاطري وفي فمي ……….أحبها من كل روحي ودمي
ونرى أيضا الشاعر الكبير محمود حسن إسماعيل يقول :
يا مصر يا أنشودة الدنيا وأغنية الشعوب
يا كعبة الأحرار رن هتاف نصرك في القلوب
يا جنة تهتز بالأسرار بين شذى وطيب
ولسنا بصدد سرد أو إحصاء إبداعات الشعراء تجاه أوطانهم، على اختلاف بيئاتهم وثقافاتهم سواء بالعامية أو الفصحى، ولكننا اكتفينا بذكر القليل الذي لايذكر وكاننا حسونا حسوتين بمنقار عصفور من محيط الوطنية الشعرية الصادقة عند الشعراء تجاه أوطانهم.
وتبقى مصر سيدة الأوطان وإمبراطورية الوطنية، وملاذ الشعراء الذي يتسابق الشعراء إليه ليأوي إبداعاتهم الشعرية
وأخيرا أختم بقولي من قصيدتي في ديواني ( عيناك خط الاستواء ) من قصيدة (للأوطان حرمات)
بلادي بعد حب الله حبك أنت لي مرفا
فلولا أنت ما أضحى لاهلي كلهم ملجأ
فلا وطن بلا أهل ولا أصل ولا منشأ
