وجهات نظر

التنمية المستدامة والاستدامة الحضرية

التنمية المستدامة الحلم الذي يتمنى الكل الوصول إليه، الحلم الذي تسعى دول العالم ومدنها إلى تحقيقه، الحلم الذي وضعت له العديد من الخطط على المستوى العالمي وحتى المستويات المحلية المختلفة بداية من الأهداف الإنمائية للألفية

Millennium Development Goals, MDGs

التي وضعت من الأمم المتحدة ووقع عليها أغلب دول العالم وذلك في سبتمبر عام 2000 م وكانت تهدف إلى تحقيق ثمانية أهداف عالمية للاستدامة:

ومن هذه الأهداف القضاء على الفقر المدقع والجوع وتقليل وفيات الأطفال. الخ، تلي تلك الأهداف إقرار

اهداف التنمية المستدامة2030 م

Sustainable Development Goals.SDG’s

تلك السبعة عشر هدفا لعام 2030م، والتي اعتمدها قادة العالم في سبتمبر 2015م في قمة أمميةتاريخية، وستعمل بلدان العالم خلال السنوات الخمس عشرة المقبلة على تنفيذها.

وعلى الرغم من أن أهداف التنمية المستدامة ليست ملزمة قانونا، فإن من المتوقع أن تأخذ الحكومات زمام ملكيتها وتضع أطر وطنية لتحقيقها،وفي ضوء ذلك ظهرت خطط مثل خطة التنمية المستدامة 2030 م بمصر ورؤية المملكة العربية السعودية 2030م والخطة الاقتصادية الإقليمية لأبوظبي 2030م والعديد من الخطط المحلية في هذا الشأن.

وفي ضوء الهدف الرئيسي من هذه المقالات، وهو نشر ثقافة العمران الحضري خاصة بين غير المتخصصين، نتطرق في هذا المقال إلى مفهوم الاستدامة الحضريةUrban Sustainability، وهو مفهوم قديم في المجال العمراني بين المتخصصين في العمران الحضري، لكنه مفهوم متجدد ظهرت عليه العديد من التحديثات والمناقشات، وارتبطت به العديد من المبادرات التي سنتناولها بالتفصيل، ولكي يتسنى لنا تناول تلك المبادرات يجب علينا أن نعي أولا القاعدة الأساسية التي بنيت عليها تلك المبادرات وهي التنمية المستدامة.

في البداية نعرف معنى كلمة الاستدامة لغويا ،كما جاء بالمعجم الوسيط (استدامة –دوم، وتعني استدامة العيش الرغيد ودوامه واستمراريته واستدام الشيء بمعنى دام أو الشيءالمستديم).

في العديد من المجالات تعرف التنمية المستدامة على أنها “التنمية التي تلبي احتياجات الحاضر مع ضرورة الأخذ في الاعتبار تمكين الأجيال المستقبلية من تحقيق متطلباتهم وطموحاتهم”، وبمعنى أكثر وضوحاً هي استغلال الموارد والإمكانيات داخل كل مجتمع حضري بشكل يحافظ على هذه الموارد للأجيال الحالية والأجيال القادمة، وفي هذا تفصيل حيث تظهر سياسات مختلفة للتعامل مع تلك الموارد ذلك أن تلك الموارد منها ما هو متجدد ومنها ما هو غير متجدد، ولكل منهما سياسة محددة في التعامل معه للحفاظ عليه من النضوب مثال ذلك طاقة الشمس كأحد الموارد المتجددة، والنفط كأحد الموارد الغير متجددة.

وظهر مصطلح التنمية المستدامة كأحد مبادئ التنمية العمرانية عام 1987م في تقرير أُعد من قبل اللجنة العالمية للبيئة والتنمية (WCED) التابعة للأمم المتحدة وعُرف التقرير باسم مستقبلنا  المشترك Our shared futureوالذي وضع التعريف السابق ذكره للتنمية المستدامة، وكان بداية الانطلاق نحو مفاهيم التنمية المستدامة عالميا، تلي ذلك ظهور العديد من الأنماط والتعريفات لفكرة التنمية المستدامة مثل النمو المستدام، والدخل المستدام، الاقتصاد المستدام، الاستدامة الحضرية.

وفي عام 1992م وتحت رعاية برنامج الأمم المتحدة ،عُقد مؤتمر الأرض والذي وُضع به ولأول مرة الأهداف والوسائل التي يمكن من خلالها تحقيق التنمية المستدامة وذلك بأجندة حضرية أُطلق عليها الأجندة (21) ،والتي من خلالها تم التعرف على لبنات التنمية المستدامة سواء اقتصادية (العدالة في توزيع الثروات) أو اجتماعية (تحقيق المساواة والتماسك والحراك الاجتماعي) أو بيئية (الحفاظ على الموارد الطبيعة).

والمحاور الرئيسية للتنمية المستدامة هي

          الإنسان: الذي يسعى لتحقيق الرفاهية المعيشية والراحة والوصول لجودة

الحياة Quality of life

          البيئة: من حيث الحفاظ على الموارد التي أوجدها الله سبحانه وتعالى في الأرض للإنسان من طبيعة وعناصر حياتية (هواء-ماء-طاقة-مقومات بيئية)، وتهدف التنمية المستدامة للحفاظ على تلك الموارد بحيث لا تنضب ولا تتسبب في دمار المجتمع

اما الاستدامة الحضرية فهي تلك التي تعني وتهتم بالتجمعات الحضرية وتطبيق مبادئ التنمية المستدامة عليها بحيث تنتج تجمعات حضرية مستدامة ملائمة للعيش تحقق جودة الحياة لمواطنيها

 

ومن اهداف الاستدامة الحضرية

          تحسين القدرة الوطنية على ادارة الموارد الطبيعية ادارة واعية لتحقيق حياة أفضل لكافة فئات المجتمع

          احترام البيئة الطبيعية من خلال تنظيم العلاقات بين الانشطة البشرية وعناصر البيئة وعدم الاضرار بها

          تعزيز الوعي البيئي للسكان وتنمية احساس الفرد بمسئوليته تجاه المشكلات البيئية

          ضمان ادراج التخطيط البيئي المستدام في كافة مراحل التخطيط الانمائي من اجل تحقيق الاستغلال الرشيد الواعي للموارد الطبيعية للحيلولة دون استنزافها او تدميرها

          ربط التكنولوجيا الحديثة والمتطورة في كافة مجالات الحياة خاصة النقل بما يخدم اهداف المجتمع دون ضرر للبيئة المحيطة.

          الوصول إلى الازدهار المنشود سواء على مستوى البيئة أو على مستوى العدالة الاجتماعية او جوده الحياة داخل التجمعات الحضرية

 

اندرج تحت الاستدامة الحضرية وارتبط بها العديد من المفاهيم والتي تحتاج لشرح مفصل سيرد تفصيله لاحقا بمقالات منفصلة ومن تلك المفاهيم:

o          مؤشرات قياس الاستدامة الحضرية وفكرة المراصد الحضرية Urban Observatories

o          مفهوم جودة الحياة بالمدن (التركيز على جودة الحياة بالمدن المصرية) Quality of life

o          مفهوم المدن الملائمة للعيش citiesLivable

o          العدالة الاجتماعية والشمول الاجتماعي بالمدنEquity and social inclusion

o          أهداف التنمية المستدامة SDG’s

o          أنماط العمران المختلفة الجديدة (العمران الحديث – المدن الزكية – المدن الخضراء)

تلك المفاهيم والمبادرات تعني وتهتم بالوصول لأفضل تناغم وتفاعل ما بين الإنسان داخل مجتمعه الحضري والبيئة المحيطة به والموارد المتاحة له، حيث تهدف بشكل عام بأن يكون العيش داخل التجمعات الحضرية آمناً دون أي تأثير سلبي على البيئة المحيطة بقدر المستطاع،ويعتمد على استغلال الموارد المتجددة قدر الإمكان في محاولة لاستبدال الموارد الغير متجددة والتي غالبا ما يكون لها تأثيرها السلبي على البيئة باخري متجدده.

 

وفي مصر يعيش 42.2% من السكان في المدن الحضرية ، وذلك وفقا لنتائج تعداد مصر لعام 201،وما زال عدد ساكني المدن في زيادة بالمقارنة بعدد سكان الريف والمجتمعات الريفية، في مقابل ذلك خطواتنا بطيئة جدا نحو الوصول لمدن مستدامة صحية آمنة قابلة للعيش ،تعتمد على الطاقة المتجددة، ولعل من أبرز أهداف خطة 2030م  للتنمية المستدامة التي أقرت بمصر بالآونة الأخيرة كسر الحاجز نحو التحول للاستدامة الحضرية وإعادة التوازن بين المعمور والامعمور، نتيجة لعدم قدرتنا في الثلاثة عقود الماضيةالوصول لهذه الأسس للمدن المستدامة ،خاصة بالمدن الجديدة التي نفذت بالصحراء المحيطة بالوادي،وذلك أدى لعدم قدرة هذه المدن على تحقيق الاستيعاب السكاني والاقتصادي  المطلوب منها ،مما أدى للمشكلة الكبرى في النسق العمراني المصري حيث ظهر عدم التوازن الواضح بين المعمور والا معمور في مصر, حيث يعيش98% من السكان على 6% فقط من مساحة الدولة.

واعدكم قريبا بإجراء حوار مع المسئولين عن خطة 2030 م للتنمية المستدامة في مصر للتعرف على تفاصيلها الفنية وعرضها على الإخوة القراء وذلك لأن هذه الخطة هي بداية لتصحيح المسار نحو اقتصاد قوي ومدن مستدامة صحية ملائمة للعيش.

حفظ الله مصر

• خبير التخطيط العمراني والمراصد الحضرية

aref_attia@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق