في إحدى حلقات البرنامج الشهير”أمسية ثقافية” للشاعر الراحل الكبير فاروق شوشة كان الضيف هو الشاعر الراحل الكبير طاهر أبو فاشا، وكلاهما ابن لمحافظة دمياط، وكان رصيد أبى فاشا لدى المستمعين والمشاهدين كبيرا قبل ذلك بسنوات من خلال الفوازير ومسلسل”ألف ليلة وليلة”،وتابعت الحلقة باهتمام فالمتحدثان جديران بالمتابعة ؛ المستضيف شاعر درعمى أفخر بانتسابى لذات الكلية التى تخرج فيها، وأعتز بحضورى عدة ندوات شعرية له، والثانى الضيف من ظرفاء المتحدثين أصحاب القفشات فضلا عن غزارة عطائه الشعرى والدرامى الذى يستحق فعلا أن يغبطه عليه كل شاعر يقول أو كاتب يكتب ويؤلف ،ولم يخب شعورى وأنا أتابع حديث أبى فاشا عن صباه حين التحق بالمعهد الدينى بالزقازيق على ما أتذكر، وكيف أنه كان طالبا صغيرا بالمعهد وحين زيارته للقرية تصادف أن كان فجر الجمعة ولم يحضر غمام مسجد القرية فأراد الناس أن يشجعوا الشيخ الصغير فقدموه للإمامة ،ويحكى أبو فاشا أنه أسقط في يده ففي فجر الجمعة لابد من الصلاة بالناس بسورة”السجدة” كما كان معروفا للناس من إمام المسجد،وبالفعل اضطر أبو فاشا لقراءتها وهى تتوسطها سجدة تلاوة جبرية لامناص منها خاصة وهو يؤم الناس.
الموقف الغريب الذى تعرض له أبو فاشا أنه في سجدته اكتشف أنه لايتذكر بقية السورة المفروض أن يقوم من سجوده بالمصلين ليكملها فاستشعر الحرج والعجز، فما كان منه إلا أن أضمر في نفسه شيئا فترك المصلين ساجدين ينتظرون قيامه لاستكمال الركعة وتلاوة بقية السورة ،وعلى رأى المثل الشعبى حط ديله في سنانه وقال يافكيك،ويافكيك هنا لم تكن جريا من الباب إنما قفزا من نافذة المسجد القريبة من الأرض وأطلق ساقيه للريح ولم يتوقف عن الجرى إلا في المنزل متوجها مباشرة إلى مخدعه ليستكمل لحظات نهجانه واضطراب دقات قلبه أسفل غطائه الثقيل وقد كان الوقت شتاء.
هكذا حكى طاهر أبو فاشا عن نفسه فتهالكت ضحكا من الموقف الذى لاأرى فيه سخرية فهو في النهاية تصرف طفولى في موقف لم يستطع تحمل ما ألقاه المصلون عليه من حمل ثقيل فقاده تفكيره وخياله إلى الخروج من المأزق بهذا الشكل، وهو ما تجسد بعد ذلك في كمية نتاجه الإبداعى العالية التي لعب الخيال دور البطولة فيها وجعلته قادرا على أن يقدم مثلا للإذاعة الكثير من الأعمال، أشهرها «ألف ليلة وليلة» التى ألف منها 800 حلقة، على امتداد 26 سنة، وله مجموعة من الصور الغنائية، منها «ملاح النيل»، و«أصل الحكاية»، و«الشيخ مجاهد»، كما أعد سلسلة «أعياد الحصاد»، وهى سلسلة درامية غنائية تمثيلية، وكتب عملا دراميا غنائيا ضخما بعنوان «سميراميس» كان مقررًا أن تمثله أم كلثوم، لكنه توقف لأسباب مختلف عليها، كما قدم للإذاعة مسلسل «ألف يوم» فى 600 حلقة، وقدم مجموعة كبيرة من الأغانى منها «نشيد الجيش»، و«نشيد الطيران»، وغنتهما أم كلثوم.
نشأ الشاعر وعاش أجمل أيامه فى قرية كفر مويس، الواقعة على رافد بحر مويس، حيث كان يدرس فى معهد الزقازيق الدينى فى شبابه، وفى شيخوخته زار النهر فانفعلت نفسه، وكتب قصيدة ممتعة بلغة راقية، وصور بديعة للريف المصرى، ومكان اللهو والذكريات فى الرياض اللفاء، والقصيدة عنوانها «رجعة إلى مويس»، يقول «أبو فاشا»: فى مطلعها
وصلَ الرَّكبُ يا نديم فهات، هذه رملتى وتلك رُباتى.
الرياضُ اللفاء والرفرف الخضر، ومغنى الصبا وملْهى اللِّداتِ.
ومغانى عمّاتك النخل فرعاء، صموتا كعهدها قائماتِ.
ومويس السهرانُ راويةُ الحبِّ، وساقى لحونه الثملاتِ.
عمل «أبوفاشا» مدرسا فى مدرسة «عنيبة» ثم بالواحات، وقطع رحلة التدريس بالعودة للقاهرة ليعمل بالفن والصحافة، وراح يؤلف التمثيليات الفكاهية وغيرها، ويختلط ببعض الفرق الفنية التى تمرس، من خلال وسطها الفنى الشعبى، بخفايا الفن، ولما زارت إحدى الفرق مدينة الزقازيق أقام لها إبراهيم دسوقى أباظة باشا حفل غداء، وألقى به الشاعر الشاب آنذاك قصيدة استرعت نظر الداعى، وتعرف أباظة عليه ورعاه، ودعاه للعودة إلى التعليم، فعاد مدرسا بمدرسة دمياط الابتدائية الأميرية، ثم مدرسة المعلمين بسوهاج، وحين أنشئت جماعة أدباء العروبة، انضم إليها.
عينه الوزير إبراهيم دسوقى أباظة سكرتيرا بوزارة الأوقاف، فلما نقل (الباشا) وزيرا للمواصلات نقله معه، وجعله وكيلا لمكتب بريد العباسية، فرئيسا للمراجعة العامة، وانتهى به الأمر فى وظيفة بإدارة الشؤون العامة للقوات المسلحة، رئيسا لقسم التأليف والنشر، وبقى فيها حتى أحيل للمعاش، فتفرغ للشعر والأعمال الأدبية والإذاعية، ووجد طريقه إلى العديد من النوادى والمجالس الأدبية، ومنها ندوة «القاياتى» التى كانت تضم جمهرة كبيرة من أعيان الأدباء، من أمثال حافظ إبراهيم وعبدالعزيز البشرى، وكامل كيلانى، وزكى مبارك.
ولـ«أبى فاشا» ديوان شهير رثى فيه زوجته بعنوان «دموع لا تجف»، ضم قصيدة رائعة كتبها لزوجته «نازلى» التى لقيت ربها فى 29 سبتمبر 1979، وتوفى «أبوفاشا» فى 12 مايو 1989 وكان قد حظى بالكثير من أوجه التقدير، إذ حصل على جائزة الدولة التقديرية فى الآداب عام 1988.
ولطاهر أبو فاشا دواوين شعرية كثيرة، منها «صوت الشباب»، و«القيثارة السماوية»، و«الأشواك»، و«الليالى»، و«راهب الليل»، وقد ظل عنوان هذا الديوان وصفا ملازما للشاعر، ومن دواوينه أيضا «دموع لا تجف»، فضلا عن كثير من القصائد التى لم يضمها ديوان واحد، وجمعها الباحث عزت محمود على الدين فى رسالة الماجستير التى أنجزها عن الشاعر.
هذا عن مجمل إنتاج أبى فاشا الشعرى والدرامى والبرامجى،لكن بالنسبة لى كانت قصائده الصوفية في الفيلم الشهير”رابعة العدوية” من أجمل وأرق ماكتب وتغنت به أم كلثوم دون أن تظهر في الفيلم، وظهرت بطلة الفيلم نبيلة عبيد وكأنها هي التي تغنى،فكانت مفارقة كبرى وواسعة بين صوت أم كلثوم وأداء نبيلة عبيد بحركة الشفاه. لقد غنت أم كلثوم عدة قصائد بالفيلم المفروض أن بعضها على لسان رابعة العدوية ، وكانت أشهر أغنيات أو قصائد الفيلم “عرفت الهوى” كلمات: السيدة رابعة العدوية، والشاعر طاهر أبو فاشا، وألحان: رياض السنباطى، وغناء كوكب الشرق أم كلثوم.. هذا الفيلم قدمته السينما المصرية عام1963،وكلمات القصيدة بدأت ببيتين وضعهما طاهر أبو فاشا هما:
عـرفت الهـوى مذ عرفت هـواك وأغـلـقـت قلـبـى عـمـن سـواك
وكــنت أناجيـــك يـــا من تــرى خـفـايـا الـقـلـوب ولسـنـا نـراك
ثم كانت الأبيات التي هي في الأساس كلمات رابعة العدوية الملقبة بشهيدة العشق الإلهى ،لتأتى بقية الأبيات :
أحبـــك حـبـيــن حـب الهـــــوى وحــبــــا لأنـــك أهـــل لـــذاك
فــأما الــذى هــو حب الهــــوى فشـغلـى بـذكـرك عـمـن سـواك
وأمـــا الـــذى أنــت أهــل لــــه فكـشـفـك للـحـجـب حـتـى أراك
فـلا الحـمد فـى ذا ولا ذاك لـــى ولـكـن لك الـحـمـد فـى ذا وذاك
ثم يعود أبو فاشا ليكتب جريا على الأبيات السابقة عطفا على أحبك حبين:
وأشتـاق شوقيـن.. شوق النـوى وشـوقا لقرب الخطــى من حمـاك
فأمـا الــذى هــو شــوق النــوى فمسـرى الدمــوع لطــول نـواك
وأمــا اشتيـــاق لقـــرب الحمـــى فنــار حيـــاة خبت فــى ضيــاك
ثم يختم بالبيت الأخير.. على لسان رابعة:
ولست على الشجو أشكو الهوى رضيت بما شئت لـى فـى هداك
هكذا كان ميلاد هذا العمل البديع في تأليفه الذى يشهد بعبقرية شعرية فنية وروح صوفية عالية لديه وسط مجموعة من القصائد المغناة في ذلك الفيلم ومن قبله في مسلسل إذاعى بنفس الاسم”رابعة العدوية” مثل: (على عينى بكت عيني)، (لغيرك ما مددت يدا)، (يا صحبة الراح)، (حانت الأقدار)، (الرضا والنور)، (عرفت الهوى مذ عرفت هواك)، وهى الأغانى التى تم استعمالها فى الفيلم الشهير (رابعة العدوية).ولعل من شاهد الفيلم يتذكر كيف أبدع المخرج في التعامل مع تلك القصائد ليضيف إلى إبداع التأليف والتلحين والأداء المعجز لأم كلثوم إبداعا جديدا في تنفيذ مشاهد تلك الأغنيات ،وخاصة أغنية “الرضا والنور” وكيف تخيل وفاة رابعة العدوية وصعود روحها للسماء ترفرف حولها حمائم السلام مرحبة بروحها وهى تصعد إلى السماء..رحمهم الله جميعا فقد جمعوا بين العبقرية والإخلاص وجمال الأداء.
عندما قفز الإمام من شباك المسجد
وجهات نظر , 15 ديسمبر, 2022, Comments Disabled
