عيش حرية عدالة اجتماعية، شعار ثورة يناير. شعار كله امل وتفاؤل شعار يعيد للدولة اهتمامها بالمواطن ويحيي مفاهيم المواطنة، ولكن ما هي العدالة الاجتماعية التي ينادي بها المواطنين وما هي مفاهيمها واهميتها.
العدالة الاجتماعية كما عرفها الفيلسوف الألماني”إيمانويل كانط” على انها “احترام الحقوق الفردية بغض النظر عن المنفعة” وعلى انها تأسيس خدمات للمجتمع مثل خدمات (التربية والتعليم – الرعاية الطبية – السكن …. الخ) ويضيف الي ذلك توفير مصدر دخل للفئات الاكثر احتياجا داخل المجتمع، وعرفها البعض مثل “جيرمي بنتام” على انها “العدالة التي تقوم على المنفعة”.
ولكن من أبرز التعريفات التي ظهرت لها ما ورد عن “اميل غيري” بكتابه العدالة الاجتماعية Social justice وبكتاب “فؤاد علام”،حيث عرفت على انها ” نظام اقتصادي، اجتماعي يهدف إلى إزالة الفوارق الاقتصادية الكبيرة بين طبقات المجتمع” وتسمى أحيانا العدالة المدنية، وتصف فكرة المجتمع الذي تسود فيه العدالة في كافة مناحيه، بدلا من انحصارها في عدالة القانون فقط،ويمكن تلخيص مفاهيمها في ان العدالة الاجتماعية هي توفير معاملة عادلة وحصة تشاركية من خيرات المجتمع.
ولعل أبرز من ناقش نظرية العدالة بشكل تفصيلي الفيلسوف الأمريكي “جون رولز”، الذي يرى أن العدل أسبق من الخير، فلا يختلف البشر حول شيء مثل اختلافهم حول تصورات الخير ولايجمعهمولا يوحدهم شيء أكثر من العدل، فالعدالة تمثل القاعدة الاساسية لكل مجتمع منظم عقلاني يهدف إلى النفع العام، كذلك وضع رولزالمفهوم السياسي للعدالة والذي ينص على ” خلق توازنات جديدة بين الحريات والحقوق – الواجبات”.
اهتم الإسلام بمسألة تحقيق العدالة الاجتماعيّة من خلال منظومة متكاملة شاملة لجميع جوانب حياة النّاس،فالإسلام يؤكّد على مبدأ التّشاركيّة والمساواة في الحقوق من خلال التأكيد على شراكة النّاس في أهمّ موارد البيئة وهي الماء والكلأ , كذلك يشرع عبادات كالزّكاة والصّدقة ويرتّب مسائل كالنّذور والكفّارات والوقف تضمن للمجتمع الإسلامي أن يعيش وفق أرقى معايير العدالة الاجتماعيّة وأرقاها، كما حرص الإسلام على إزالة الفوارق الفاحشة بين طبقات النّاس، من خلال حثّ الجميع على العمل والإنتاج وتأمين الحرّيّة لهم لممارسة تجاراتهم وأعمالهم.
ويمكن تلخيص فكره العدالة الاجتماعية وتبسيطها في ان يعيش الانسان في مجتمع يضمن له حياة كريمة، مجتمع به عدل في توزيع الثروات والناتج المحلي والموارد بين المواطنين بشكل يتساوى فيه الجميع، ويحصل الجميع على اساسيات العيش الكريم.
العدالة الاجتماعية في العمران …. وهي محور اهتمامنا، تعني بان يكون المجتمع الحضري سواء المدينة او أي تجمع حضري، يتسم بالشمولية الاجتماعية بمعني انه يشمل الجميع دون استثناء،كذلك يتسم بالانفتاح ومناصرة الفقراء والعدالة ومراعاة الفوارق بين الجنسين، وذلك في توفير الخدمات المناسبة للجميع وتوفير المسكن الملائم ومعالجة مشاكل العشوائيات وتوفير البنية التحتية الملائمة.
اهتم المجتمع الحضري ممثلا في برنامج الامم المتحدة للمستوطنات البشرية بتحقيق العدالة الاجتماعية ،وجعله احد المحاور الرئيسية لقياس التنمية المستدامة داخل المجتمعات العمرانية والمدن بشكل متكامل ،حيث وضع العدالة الاجتماعية والمساوة والتشاركية كأحد المحاور الستة لقياس الازدهار الحضري داخل المدن (الازدهار الحضري يقصد به التجمع الحضري كالمدينة مثلا الذييتصفبالبيئةالصحية الملائمةالمزدهر اقتصاديا وعمرانيا واجتماعيا وتتوافر به الخدمات الملائمة والسكن والبنية التحتية كمثالالصرف والمياه والكهرباء التي تخدم الجميع )واطلق علي العدالة الاجتماعية مصطلح ” المساواة والشمول الاجتماعي” Equality and social inclusion
وترجع اهمية العدالة الاجتماعية كمحور تنموي من محاور قياس الاستدامة الحضرية في كونها تحقق:
– اتزان توزيع التنمية (التنمية العادلة) بين افراد وفئات المجتمع المختلفة.
– تحقيق ملائمة العيش Livability التي تتناسب مع كافة فئات المجتمع وتحقق لكل منهم قدر ملائم من جودة الحياةQuality of Life.
– تحقيق المشاركة الشعبية في التنمية وفي الادارة المحلية.
– المساواة بين كل الاجناس والاطياف في المجتمع سواء مساواة. اجتماعية – اقتصادية -تنموية -الخ
ولا تتحققالعدالة الاجتماعية فقطبإعداد المخططات وتنفيذها دون إدراكلأهمية ايجاد انماط عمرانية تنموية تستطيع تحسين البيئة الحضرية داخل المدينة ودون وضع حلول تنفيذية لتلك القضايا التنموية والعمرانية، فالمشاكل التي نعاني منها مثل المناطق العشوائية والتعدي على الأراضي الزراعية ونقص الخدمات والسكن الملائم، كلها تحتاج الي جهد كبير من الدولة لتستطيع سد احتياجات المجتمع.
ولعل من أبرز محاور السعي نحو تحقيق تلك العدالة الاجتماعية في مصر بالسنوات الأخيرة وضعها ضمن خطة التنمية المستدامة 2030 م بمصر حيث نص بها على الاتي:
“تتمثل الرؤية الاستراتيجية للعدالة الاجتماعية حتى عام 2030 في بناء مجتمع عادل متكاتف يتميز بالمساواة في الحقوق والفرص الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وبأعلى درجة من الاندماج المجتمعي، مجتمع قادر على كفالة حق المواطنين في المشاركة والتوزيع العادل في ضوء معايير الكفاءة والإنجاز وسيادة القانون، ويحفز فرص الحراك الاجتماعي المبني على القدرات، ويوفِّر آليات الحماية من مخاطر الحياة، ويقوم على التوازي بمساندة شرائح المجتمع المهمشة ويحقق الحماية للفئات الأولى بالرعاية.
واهم أهدافها الاستراتيجية…
تعزيز الاندماج المجتمعي والحد من الاستقطاب السلبي
رفع مستوى الاندماج المجتمعي والحد من الاستقطاب السلبي وترسيخ شراكة فعالة بين شركاء التنمية (الدولةالمجتمع المدني – القطاع الخاص).
تحقيق المساواة في الحقوق والفرص
تحفيز فرص الحراك الاجتماعي من خلال نظام مؤسسي يحقق المساواة في الحقوق والفرص الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
تحقيق الحماية للفئات الأولى بالرعاية
ضمان عدالة التوزيع وتقليص الفجوات الطبقية من خلال مساندة شرائح المجتمع المهمّشة وتحقيق الحماية للفئات الأولى بالرعاية.
ولعل تبني الحكومة ممثلتا في وزارة الإسكان انشاء مليون وحده سكنيه للإسكان الاجتماعي في كل مدن مصر والتي استفاد منها ملايين الاسر واحدة من أبرز التوجهات نحو العدالة الاجتماعية، أيضا علاج مشكلة المناطق الخطرة العشوائية ونقل السكان الي بيئة امنه مثلما تم في حي الاسمرات وتل العقارب وغيرها من المناطق العشوائية التي انتهي العمل بها والجاري العمل ببعضها.
طريق تحقيق العدالة الاجتماعية وخاصة في العمران الحضري هو طريق طويل , ما زلنا نتحسس خطواتنا الاولي به فإنشاء المسكن الملائم وتنفيذ شبكه طرق تنموية قويه بمصر , هي خطوة في طريق به خطوات كثيره , فما زلنا بحاجة الي تحسين شبكة النقل العام داخل المدن بشكل ملائم للمواطن ولحاجاته , تفعيل وتدعيم شبكة النقل الإقليمي بين المحافظات خاصة في اتجاه مناطق الا معمور المصري , وذلك لنستطيع جذب التنمية خارج نطاق الوادي الضيق , تعظيم الإنتاج المحلي والتكامل بين الأقاليم الاقتصادية لزيادة الناتج المحلي بكل إقليم وبالدولة ،وزيادة فرص العمل , علي ان تكون فرص العمل موزعة بشكل مكاني جيد مما يقل من الهجرة الي العاصمة والمدن الكبرى, خاصة معما تعاني منه مدننا مدن الصعيد من نقص في كل ما ذكر من خدمات واسكان.
طريق طويل يحتاج من الجميع التكاتف والاستقرار الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وبذل الجهد والعمل للوصول الي، مصر الجديدة ذات الاقتصاد التنافسيالمتوازن والمتنوع والذي يعتمد على الابتكار والمعرفة، دولة قائمة على العدالة والاندماج الاجتماعي والمشاركة ذات نظام أيكولوجي متزن ومتنوع تستثمر عبقرية المكان والإنسان لتحقق التنمية المستدامة ولنرتقي بجودة حياة المصريين وهي الهدف الرئيسي لرؤية مصر 2030 م بكل محاورها التي تشكل العدالة الاجتماعية أحد ركائزها.
حفظ الله مصر
خبير التخطيط العمراني والمراصد الحضرية
aref_attia@yahoo.com
