“الفسيخ عمانا ورب العرش نجانا”

وجهات نظر , Comments Disabled

أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكـا.. من الحسن حتـى كـاد أن يتكلمـا..وقد نبه النورس في غلس الدجـى..أوائـل ورد كن بالأمـس نومـا..يفتقهـا بــرد الـنـدى فكـأنـه..يبث حديثـا كـان أمـس متكلما ..ومـن شجـر رد الربيـع لباسـه..عليه كما نشـرت وشيـا منمنمـا..أبيات شعرية  للشاعر البحتري  نتذكرها  كلما هّل علينا الربيع أو شم  النسيم  وكلما  طلب منا مدرسو  اللغة العربية أن نكتب موضوع تعبير عن قدوم الربيع ويبدو أن هذه الأبيات  من الأشياء التي التصقت  بالربيع، كما لزقت أغنية ..العيد فرحة …وأجمل فرحة..تجمع شمل قريب وبعيد..سعدنا فيها بيخليها ذكرى جميلة لبعد العيد..غنوا معايا غنوا..قولوا ورايا قولوا..كتر يا رب في أفراحنا.. واطرح فيها البركة وزيد..جانا العيد اهو جانا العيد لأكبر طفلة في مصر حتى الآن الجميلة صفاء أبوالسعود، وإذا لم  نسمع هذه الأغنية في أي عيد لا نشعر بقدومه وكذلك شم النسيم أو الربيع الذي يرتبط بأغان حفظناها  عن ظهر قلب للسندريلا سعاد حسنى وهى بتتنطط  وتشع بهجة وسرور وهى تغني في فيلم “أميرة  حبي أنا” ..الدنيا ربيع الدنيا ربيع و الجو بديع..قفلي على كل المواضيع..قفل قفل قفل قفل..مفيناش كاني مفيناش ماني..كاني ماني ايه..دا الدنيا ربيع ..من كلمات صلاح جاهين ولحـن كمال الطويل.

ورغم  وجود  العديد من  الأغاني للربيع لفريد  الأطرش مثل “أدى الربيع عاد من تانى” منذ 65  فالربيع كان أحد أهم المواسم لدى كبار المطربين، الشعراء والملحنون،  يعملون ليل نهار من أجل تقديم أغنيات فى أعياد الربيع فقد غنت أم كلثوم في فيلم ” حيوا الربيع عيد الزهور  وعيد التهاني والسرور..الطير في أفاقه ترنما و أعلنا قرب الهنا..الزهر في أفنانه  تبسما لما دنا يوم المنى ..حيوا الربيع ..وفي فيلمها الثالث ” دنانير”..الزهر في الروض ابتسم..والطير علي الأغصان رنم.. والنسمة جاية تتكلم من الفرح وتهنيني.. مين زي في الدنيا اتهني وغنت ليلي مراد في فيلم ” يحيا الحب .. ياما رق النسيم لما يداعب خيالي.. خلاني وحدي أهيم وأسبح في وادي آمالي.. الجو رايق وصافي والبحر موجه يوافي.. طال به الحنين للبر والبر عنه بعيد..كما لا ننسى , محمد عبد الوهاب في فيلم ” يوم سعيد ” وهو ينادي ..ياورد مين يشتريك وللحبيب يهديك.. تهدي إليه الأمل والهوى والقبل.. أبيض غار النهار منه خجول محتار والجميلة أسمهان  في فيلم ” انتصار الشباب” هي تترنم قائلة..يا بدع الورد يا جمال الورد ..من سحر الورد قالوه ع الخد ..الورد يا جماله..الأحمر من بدعه وجد وهيام الطف يا لطيف..والأصفر من ريحته غيرة وألام ارحم يا أنين.. والأبيض العفة ريحة وغرام اقطف يا شريف..إلا أن السينما لم  تقدم لنا أغنية جميلة عن الربيع منذ أكثر من 40 عامًا  على الأقل.

وكانت حديقة الأزبكية من أهم الحدائق التى شهدت أهم حفلات الربيع وعلى خشبة مسرحها غنى كبار النجوم مثل عبد الحليم، وأم كلثوم وفايزة أحمد، حيث كان يحرص العندليب عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وأم كلثوم وغيرهم من النجوم على عمل حفلات بتلك المناسبة،  واليوم لم يصبح هناك موسم لأغاني الربيع ولا حفلات إلا قليل وأصبحت أعياد الربيع تمر مرور الكرام واقتصرت حفلات الربيع على عدد من نجوم الوطن العربي وعدد من حفلات مطربي المهرجانات.

ونحن  كمصريين ومنذ أيام  الفراعنة  نضع بصمتنا على كل شيء ونربطه بالأكل فقد تحول عيد الربيع من جو الأغاني والحفلات  والليالي الملاح إلى أكلات شعبية لها رائحة كالفسيخ والرنجة ينفر منها من كان يشم رائحة الورد  أكلات لها أصول مصرية قديمة لأن العيد نفسه هو عيد مصري قديم ولا علاقة له بأي دين فـ (البيض) عند قدماء المصريين كان يرمز إلى خلق الحياة كما ورد فى متون كتاب الموتى وأناشيد إخناتون، وارتبط نقش البيض وزخرفته بعادة قدماء المصريين نقش الدعوات والأمنيات على البيض ثم كان يعلق فى أشجار الحدائق لتحقيق الأمنيات مع الشروق.

كما أن الفسيخ من بين الأطعمة التقليدية منذ الأسرة الخامسة، عندما بدأ الاهتمام بتقديس النيل نهر الحياة حيث ورد في متونه المقدسة أن الحياة في الأرض بدأت فى الماء ويعبر عنها بالسمك الذي تحمله مياه النيل من الجنة حيث ينبع حسب المعتقد المصري القديم.

وقد ذكر المؤرخ الإغريقي هيرودوت أن قدماء المصريين كانوا يأكلون السمك المملح في أعيادهم ويرون أن أكله مفيد في وقت معين من السنة وكانوا يفضلون نوعاً معيناً لتمليحه وحفظه للعيد أطلقوا عليه اسم (بور) وهو الاسم الذي حور في اللغة القبطية إلى (يور) وما زال يطلق عليه حتى الآن .

ويُعد البصل من ضمن أطعمة عيد شم النسيم منذ أواسط الأسرة السادسة وارتبط ظهوره بما ورد في إحدى أساطير منف القديمة أن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد وكان محبوباً من الشعب وقد أصيب بمرض غامض أقعده عن الحركة وعجز الأطباء والكهنة والسحرة عن علاجه.

ولازّم الطفل المريض لازم الفراش عدة سنوات واستدعى الملك لعلاج الطفل الكاهن الأكبر لمعبد آمون فنسب مرضه إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر، الذي أمر بوضع ثمرة ناضجة من ثمار البصل تحت رأس الطفل فى فراشه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ”.”ثم شق الكاهن ثمرة البصل عند شروق الشمس ووضعها فوق أنفه ليستنشق عصيرها، وطلب منهم تعليق حزم من أعواد البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرفة وبوابات القصر لطرد الأرواح الشريرة وشفى الطفل و”أقام الملك الأفراح في القصر لأطفال المدينة ولما حل عيد شم النسيم بعد أفراح القصر بعدة أيام قام الملك وعائلته وكبار رجال الدولة بمشاركة الناس في العيد وتعليق حزم البصل على أبواب دورهم”. وبالنسبة للخس فقد عرف منذ الأسرة الرابعة وكان يقدم فى سلال القرابين وعلى موائد الاحتفال بالعيد وكان يسمى بالهيروغليفية (حب) كما اعتبره المصريون القدماء من النباتات المقدسة الخاصة بالمعبود (من) إله التناسل ويوجد رسمه منقوشاً دائماً تحت أقدام المعبود (من) في معابده ورسومه.أما الملانة وهى ثمرة الحمص الأخضر أطلق عليها (حور – بيك) أى رأس الصقر لشكل الثمرة التي تشبه رأس حور الصقر المقدس، وقد ورد ذكر الخس والملانة في البرديات الطبية وكانت الفتيات يصنعن من حبات الملانة الخضراء عقوداً وأساور يتزين بها في الاحتفالات بالعيد،  كما يقمن باستعمالها في زينة الحوائط ونوافذ المنازل في الحفلات المنـزلية . وتستعد حديقة الحيوان لاستقبال أكثر من نصف مليون زائر خلال الاحتفال بيوم شم النسيم.

ويخرج المصريون مسلمون وأقباطًا، منذ الصباح، إلى المتنزهات والحدائق احتفالاً بأعياد شم النسيم، التي تتزامن مع الاحتفال بعيد القيامة المجيد، وتتوافد الأسر على الحدائق حاملين أطعمتهم لقضاء اليوم بأكمله، والاستمتاع بالهواء الطلق وسط لهو الأطفال وترحب الحدائق باستقبال الزوار لكن العديد من الأسر تحول رائحة هذا اليوم الجميل من شذى الورود  والأزهار إلى رائحة نفاذة  للرنجة والفسيخ والملوحة الصعيدي وتترك هذه المخلفات على المسطحات الخضراء لذا تناشد إدارات الحدائق والمتنزهات زوارها بالمحافظة على نظافتها  رافعة شعار (زيارتكم تسرنا وفسيخكم يضرنا ) لما يتركه رواد الحدائق من مخلفات وقمامة ومظاهر غير حضارية بعد قضاء يومهم الجميل.

ويتنافس المصريون  في يوم شم النسيم لشراء الفسيخ الذي يصل سعر الكيلو منه لـ 90 جنيها ولم  تفلح  تحذيرات وزارة  الصحة  بأنه يسبب الشلل وغيره  من الأمراض ولا الضبطيات اليومية  لأطنان  فاسدة من الفسيخ والسردين والرنجة في إبعاد  المصريين  عن أكلها، حتى الفتاوى  الغريبة التي تحريم التنزه فى الحدائق وتناول “الفسيخ” واعتبار أكل الرنجة قبل “شم النسيم” بيوم واحد هو اعتراف بعيد النصارى المسمى بعيد القيامة، ولا بد ألا يرتبط الاحتفال بتلك الأيام، ونكاية فيمن يحرمون الاحتفال بشم النسيم والخروج فيه يقول الشيخ مظهر شاهين، إمام وخطيب مسجد عمر مكرم، إن الاحتفالات مباحة وإنه يحتفل مع أسرته من خلال الخروج إلى الحدائق وأكل الفسيخ والرنجة. وإنه “مفيش مشكلة لو احتفلنا بعيد شم النسيم أو الأقباط، وإدخال البهجة علي أسرتنا وأولادنا، فهذا من إدخال السرور علي أهلنا”. وعزم الأخوة السلفيين كلهم اللي بيحرموا الاحتفال بشم النسيم على رنجة وفسيخ وبيض ملون بس يا رب يقبلوا الدعوة” .

المواطنون لم يبالوا بتلك الفتاوى، ويقومون بالنزول للحدائق مصطحبين معهم جميع أنواع الأسماك، “رنجة، وفسيخ، وملوحة، ولوزامها”. ويقدر أحد الخبراء إجمالي ما ينفقه المواطنون على شراء الرنجة والفسيخ ومستلزمات مناسبة شم النسيم بنحو 2 مليار جنيه، “ما يعادل 336 مليون دولار”. وفي شم النسيم كما في كل الأعياد تزداد معدلات حوادث التحرش الجنسي بالفتيات في الشوارع والحدائق والمناطق المزدحمة والمواصلات مما جعل خروج الفتيات في هذه المناسبات يحتاج إلي استعدادات خاصة وتكثيف الخدمات الأمنية في الأماكن والتجمعات.

ويتعامل  المصري مع الفسيخ كالحشيش إذا كان حرام بيحرقه ولو حلال أهو بيشربه  وهو لا يدرك  أن فى الفسيخ كالسفر ليس 7 فوائد، بل 10 فوائد فعلى الرغم من تحذيرات الصحة بعدم تناول الفسيخ لأضراره ومخاطرة إلا أن هناك العديد من الدراسات العلمية الحديثة أثبتت أنه يحتوي على الكثير من العناصر الغذائية التي تقوي جهاز المناعة ويحتوي على كميات كبيرة من الزنك والفسفور والكالسيوم والبروتين.

فثبت أيضًا أن الفسيخ يعالج الإمساك واضطرابات الجهاز الهضمى، ويحتوى على مضادات الأكسدة المهمة جدًا لجسم الإنسان تحميه من أمراض الربيع مثل الحساسية الجلدية الناجمة عن انتشار حبوب اللقاح في الجو والحساسية الصدرية والتخفيف من أثر نزلات البرد والأنفلونزا الموسمية والتي تصاحبها ارتفاع في درجة الحرارة وآلام في الجسم. يعد الفسيخ منشط ومقوي جنسي عام وذلك لاحتوائه على نسبة عالية من مادة الفوسفور التي تزيد من الرغبة في العلاقة الحميمة عند الرجل والمرأة، كما أنه يحتوي على كمية كبيرة من الزلال والحامض الأميوني الذي يزيد من الخصوبة عند الرجال، كما يعتبر من الأطعمة الفاتحة للشهية ويفيد الفسيخ البشرة بصفة خاصة والجهاز الهضمي بصفة عامة، بسبب احتوائه على كمية كبيرة من الملح والتي تزيد من رغبة الإنسان في شرب المياه التي تنظف المعدة والكلى والكبد وتعيد جمال البشرة، ولكن يفضل غسله جيدًا بالخل والليمون ونقعه في خل التفاح لأن ذلك يجعل الوسط حامضي وبالتالي لا يمكن أن تعيش فيه البكتيريا الضارة، كما يعمل على تقليل نسبة الملح به، والحرص على تناول البصل الأخضر والجرجير والخس والخيار والجزر والبطيخ والكنتالوب.

ولا تندهش إذا رأيت صفحات  التواصل الاجتماعي قبل يوم  شم النسيم وقد تحولت الصورة الشخصية للكثيرين إلى رنجة أو فسيخ أو ترى عيال “بيض” وأصبحت “شكل تانى” “البنت من دول تكتب الرنجة يع…وفى البيت تقول اللى يجى جنب البطروخ ح أشق بطنه ويرفعون شعار: “الفسيخ عمانا ورب العرش نجانا” طيب خلونا نسأل على طريقة المعزول محمد مرسي لو الفسيخ خلص.. الفسخانى هيشتغل إيه؟  فـ “رائحة الفسيخ تأتيك من حيث تترفع أنت عن أن تتداخل معها”،”عندما رأيت البيض الملون شعرت بداخلى أنه شم النسيم”، وفي هذا اليوم يشاهد الأطفال مسلسل ” الرنجة تيرنيز”   كما نظل تحن “الشعب الوحيد اللى بيحتفل بالبيض فى العالم.

“بالنسبة لى يتلخص شم النسيم في أغنية “الدنيا ربيع” بتاعة سعاد حسنى.. لكن الرنجة والفسيخ والكلام ده مليش فيه ..وكلام  عم صلاح  جاهين ..ياملونين البيض فى شم النسيم..لون الحنين والشوق وخمر النديم.. ماتعرفوش سايق عليكم النبى تلونوا الأيام بلون النعيم .. وعجبي.


بحث

ADS

تابعنا

ADS