المدينة هي كائن حي، يتعرض لعمليات النمو أو الاضمحلال، الازدهار العمراني والاقتصادي والاجتماعي او الفقر الحضري، وهي تشبُّ أو تشيخ كذلك بحسب أعمار سكانها. ويقاس نجاح المدن من خلال مجموعة من أولويات وقضايا التنمية الحيوية والمهمة للسكان (مثل: توفير الخدمات الصحية والتعليمية والإسكان والمرافق العامة، وانخفاض معدلات الجريمة والفقر والبطالة والتلوث، وغيرها من القضايا التنموية المهمة). والتي ترتبط بمفهوم العدالة الاجتماعية حسب ما سردنا بالمقال السابق.
وبما أن المدينة تُعتبر كالكائن الحي فهذا الكائن يمرض أحيانا ويعاني وتظهر عليه اعراض المرض وهذه الأعراض تحتاج الى الطبيب المتخصص الذي يستعين بالتحاليل وصور الأشعة الملائمة ليعرف سبب المرض الحقيقي حتى يصف له العلاج الملائم.
ومن هنا يأتي دور المراصد الحضرية فالمريض هنا هو المدينة والطبيب هو متخذي القرار وهو الحكومة المحلية في الحالة المصرية، ومعمل التحاليل والاشعة هو المرصد الحضري -موضوع مقال اليوم -اما نتائج التحاليل فهي ما يطلق عليه قيم نتائج المؤشرات الحضرية، ويعتبر مصطلح المرصد الحضري مصطلح قديم حديث، فهو قديم المفهوم والوظيفة بين المتخصصين في مجال العمران الحضري والتنمية الحضرية، ومفهوم حديث بين أوساط غير المتخصصين والاوساط المحيطة بمجال العمران الحضري.
ويعرف المرصد الحضري وفقاً لتعريف منظمة الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية ومعهد الانماء العربي على انه “ مركز متخصص يعمل على جمع وتحليل المؤشرات الحضرية المساهمة في إعداد سياسات التنمية الحضرية على جميع المستويات ومتابعتها وتقييمها للتغلب على النواحي السلبية وتطوير النواحي الإيجابية، وهو جهاز استشاري لمعدي سياسات التنمية الحضرية على المستوى الوطني والإقليمي والمحلي”
ويُعتبر المؤشر هو ” عصب المرصد الحضري” ويعرف المؤشر بأنه مقياس يلخص معلومة لموضوع معين، أو يشير إلى مشكلة أو ظاهرة معينة، مثل المؤشرات التي تعبر عن (الفقر والبطالة والامية ونقص الخدمات…. الخ) كما إن المؤشر يوفر بدرجة مناسبة التجاوب لاحتياجات وأسئلة معينة يستفسر عنها متخذ القرار. كما توفر المؤشرات معلومات كمية أو نوعية تساعد في تحديد الأولويات والاحتياجات.
ويتضمن المرصد الحضري حزمة من المؤشرات المتفق عليها عالمياً والتي تُمثل الحد الأدنى المطلوب من البيانات لأي مدينة، كما أن هناك مجموعة أخري من المؤشرات تُطور بواسطة شركاء التنمية لتعكس خصوصية حالة المدينة تسمي (مؤشرات محلية خاصة بالمدينة).
وبدأت الفكرة الأساسية لإنشاء المراصد الحضرية عندما قامت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1988م بوضع استراتيجية المأوى – لذلك يُعتبر مصطلح المرصد الحضري قديم لدي المتخصصين – حيث دعت استراتيجية الماوي إلى تحول دور الحكومات في مجال الإسكان من مجرد توفير المساكن بشكل مباشر عن طريق إنشاء مشاريع الإسكان الحكومي إلى تمكين ودعم قوى قطاع الإسكان خاصةً في أنشطته الرامية لتطوير وزيادة إنتاج المساكن، وعلى نفس الصعيد قام البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (الموئل( UN_HABITAT)) بإنشاء برنامج مؤشرات قطاع الإسكان في عام 1990م كخطوة جادة وهامة لتطبيق الاستراتيجية العامة للمأوى حتى عام 2000م ، وقد تبنى البنك الدولي وبرنامج المستوطنات البشرية بالأمم المتحدة فكرة ربط سياسة قطاع الإسكان بعملية التخطيط الشاملة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية ، نظراً لأن سياسة قطاع الإسكان ترتبط بالعديد من قضايا التنمية ذات البعد الاجتماعي والاقتصادي.
وبناءً عليه فقد أصدرت لجنة الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية قراراً (رقم 13/9 بتاريخ 8 مايو 1991م) يطلب من المدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، إكمال تصميم وإعداد مجموعة المؤشرات الكمية ذات الصلة بإعداد السياسات، التي يجري العمل فيها بواسطة البنك الدولي ومركز الموئل لمساعدة الحكومات لمتابعة التقدم في تطبيق الاستراتيجية العالمية للمأوى، بالإضافة إلى مطالبة الحكومات بتوفير المتطلبات الفنية والمالية لجمع وتحديث المؤشرات والمعلومات لقطاع الإسكان.
ومن هنا بدأت فكرة انشاء المراصد الحضرية بمسماه الحالي، وتم إبرام مجموعة من المؤشرات الحضرية للتنمية المستدامة من قبل لجنة التنمية المستدامة لإدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية للأمم المتحدة، وتم وضع برنامج عمل لمؤشرات التنمية المستدامة يقوم بتغطية الجوانب الاجتماعية، العمرانية، الاقتصادية، البيئية والمؤسسية للتنمية المستدامة.
وترجع أهمية المرصد الحضري الى قدرته على تأسيس وتنمية وتطوير قاعدة معلومات تعمل على جمع وتحليل البيانات وإنتاج المؤشرات الحضرية على جميع المستويات بهدف متابعة وتقييم الخطط والسياسات والمخططات العمرانية للمدن، وتغذية صناع القرار بالمعلومات في شؤون التنمية الحضرية على المستوى المحلي والوطني.
وتنقسم مؤشرات المرصد الحضري الى عدة حزم منها حزم مؤشرات قطاع العمران، الإسكان، الخدمات، السكان والاجتماع، القطاع الاقتصادي، القطاع البيئي، قطاع الطرق والنقل، قطاع المرافق العامة والبنية التحتيه.
وضعت للمراصد الحضرية اربعة مستويات ، المستوى الاول هو المرصد الحضري العالمي ومقره مدينة نيروبي بدولة كينيا وهو الذي أنشئ بتوصية برنامج الأمم المتحددة للمستوطنات البشرية (الهبيتات) ودوره جمع مؤشرات المراصد الوطنية لإعداد الخطط والاستراتيجيات العالمية للعمران مثل الأهداف الإنمائية2015م واهداف التنمية المستدامة 2030م ، والمستوى الثاني هو المستوى الإقليمي وهو المرصد الذي يتكون من مجموعه من الدول مثل الدول العربية او دول الخليج ، اما المستوى الثالث هو المستوى الوطني علي مستوى الدولة مثل المرصد الخاص بمدن جمهورية مصر العربية ، واخيرا المستوى الرابع وهو المراصد الحضرية المحلية علي مستوى المدن عواصم المحافظات والمدن التابعة.

وسوف يتناول المقال القادم بإذن الله كل مستوى من هذه المستويات السالف ذكرها، وحزم المؤشرات وبعض من هذه المؤشرات، كذلك سنتطرق الى نشأة المراصد الحضرية في الوطن العربي، وفي مصرنا الحبيبة والى اهمية تفعيل هذه المراصد بكل مدننا المحلية.
حفظ الله مصر
• خبير التخطيط العمراني والمراصد الحضرية
aref_attia@yahoo.com
