وراء الأبواب المغلقة، حيث يختفي الصراخ وتتحول الأجساد إلى أشلاء، تكمن حقيقة مروعة عن النظام السوري. سجون الأسد، التي طالما كانت مرادفة للظلام والتعذيب، كشفت عن وجهها القبيح بعد سقوط النظام جزئياً.
شهادات الناجين والصور المروعة التي خرجت من هذه الزنازين كشفت عن نظام ارتكب جرائم لا توصف بحق شعبه، وتحولت السجون إلى مسالخ بشرية حقيقية.
سجن صيدنايا.. السلخانة البشرية
بعد ساعات قليلة من إسقاط نظام بشار الأسد فجر الأحد، تحول سجن صيدنايا العسكري، أو كما يُلقب بـ “السلخانة البشرية”؛ نظرا لما يحدث بداخله من انتهاكات وعمليات تعذيب بحق المعتقلين، إلى مركز للأنظار، حيث يسابق السوريون الزمن لفك شفرة الأبواب الإلكترونية التي ما زالت مغلقة، رغم فتح بواباته الخارجية على يد الثوار.
السجن، الذي يوصف بأنه “ثقب أسود”، يظل لغزًا غامضًا يسعى الجميع لفهم أسراره، حيث تجمع ما يقرب من 10 آلاف شخص داخل السجن للبحث عن ذويهم، وفق تصريحات مؤسس “رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا” دياب سرية، لموقع “الحرة” الأمريكي.
وفي إطار الجهود المبذولة، أعلن رجال أعمال وثوار عن مكافآت مالية ضخمة، وصلت إحداها إلى 100 ألف دولار، لمن يستطيع فك شفرة الأبواب أو المساهمة في فتح زنازين السجن بالكامل.
وتأتي هذه التحركات للكشف عما وراء جدران السجن التي طالما كانت شاهدة على معاناة المعتقلين في ظل النظام السابق، إذ ينقسم السجن وفق روايات سجناء سابقين، إلى قسمين، “قسم أبيض” ويختص باستضافة مرتكبي الجرائم العادية، وقسم آخر “أحمر” أكثر تعقيدا يتطلب الدخول إليه رموزا وشفرات لفتح أبوابه، يعلمها فقط الجنود والضباط الذين فروا مع دخول الفصائل المسلحة إلى سجن صيدنايا، ما جعل من إمكانية اقتحام ذلك القسم مستحيلة، ليطلق الدفاع المدني مناشدات للمساعدة في فتح أبوابه.
وأعلنت الفصائل المسلحة، مساء السبت، السيطرة على سجن صيدنايا أو كما يُلقب بـ”السلخانة البشرية”؛ نظرا لما يحدث بداخله من انتهاكات وعمليات تعذيب بحق المعتقلين على مدار السنوات الماضية.
معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا
وفي أكتوبر 2022، نشرت رابطة “معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا” السورية، تقريرا خلص إلى ثبوت تورط مستشفى “تشرين العسكري” بإصدار شهادات وفاة لمعتقلين تم إعدامهم في سجن “صيدنايا”، والقضاء الموالي لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، في بإصدار أحكام بالإعدام.
استند التقرير، الذي استغرق عاما كاملا لإعداده، إلى شهادات أشخاص عملوا داخل السجن، إلى جانب ضباط انشقوا عن نظام الأسد كانوا من بين القوات المكلفة بحماية وتأمين السجن، إضافة إلى شهادات سجناء سابقين اعتُقلوا في أوقات مختلفة.
وفي الأجزاء الأولى من التقرير، استعرض مُعدّوه الحراسة التي تحيط بسجن “صيدنايا”، والجهات المكلفة بذلك ومواضع تمركزها وحقلي ألغام، بالإضافة إلى الحراسة الداخلية للسجن المنتشرة بين أسواره الخارجية والداخلية وبوابات الأبنية بداخله.
وأبرز التقرير، 3 مراحل من الحراسة في السجن، تتكفل أولاها بحمايته من الخراج والتصدي لأي هجمات خارجية وكذلك منع أي عمليات لفرار المعتقلين بداخله، فيما تختص المرحلة الثانية بمساندة الأولى.
بينما تختص المرحلة الثالثة من الحراسة بحماية الأبنية الداخلية للسجن ومراقبة المعتقلين وسلوكهم داخل الزنازين.
وقد تتباين طبيعة الحماية في كل مرحلة باختلاف الجهة العسكرية المسؤولة عنها من بين ثلاث جهات وهي (الجيش والاستخبارات العسكرية والشرطة العسكرية).
وفي الجزء الثاني من التقرير، فسّرت الرابطة عمل مكاتب “صيدنايا”، بما في ذلك الجهات المسؤولة عن إمداد السجن بالمؤن من الطعام والماء وحتى الكهرباء، وكذلك الجهات المعنية بالرعاية الصحية والمشتريات.
وبعد ذلك، استعرض التقرير ارتباطات السجن بباقي المؤسسات والأجهزة الأمنية السورية للنظام، بما في ذلك ما يتعلق بالتبعية الإدارية الرسمية وكذلك العلاقات الشخصية ومدى القرب من مراكز القوة في النظام السوري.
أنشئ السجن أعلى تلة تقع في بداية سهل بلدة صيدنايا الجبلية، 30 كيلومترا شمال دمشق، ويتألف من بنائين، يُعرف أقدمهما بـ”القسم الأحمر” والآخر “القسم الأبيض”.
ويختلف سجن صيدنايا، الذي تبلغ مساحته 1.4 كيلومتر مربع، من حيث التبعية والقوانين المنظمة عن باقي السجون، إذ يخضع لوزارة الدفاع السورية بشكل مباشر، كما أن وزارة العدل لا تحظى بأي سلطة أو وصاية عليه، حتى أن منظمة العفو الدولية أطلقت عليه وصف “المسلخ البشري”، و”السجن الذي تذبح فيه الدولة السورية شعبها بهدوء”.
ويقول تقرير رابطة “معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا”، إن لا أحد بإمكانه دخول السجن أو زيارة أي معتقل، دون إذن من الشرطة العسكرية بعد الحصول على تصريح مسبق من شعبة الاستخبارات العسكرية.
وتبينت الرابطة، من أن السجن يخضع إلى جهتين قضائيتين منفصلتين، وهما “القضاء العسكري” المختص بالنظر في تهم جنح أو جنايات يرتكبها عسكريون، إلى جانب “محكمة الميدان العسكري”.
وتولى إدارة السجن منذ تأسيسه عام 1987، 10 مدراء مختلفين ينحدرون جميعا من قرى تابعة لمحافظتي طرطوس واللاذقية غربي سوريا.
تصنيفات المعتقلين
ويُصنّف مسؤولو السجن، المعتقلين في صيدنايا إلى فئتين: تشمل الفئة الأولى المعتقلين الأمنيين من المدنيين والعسكريين، بسبب آرائهم وأنشتطهم السياسية أو انتمائهم إلى تنظيمات إرهابية، أو القيام بأعمال إرهابية.
أمّا الفئة الثانية، فتضم من تم إدانتهم قضائيا، من العسكريين بسبب ارتكابهم جنحا أو جرائم جنائية مثل الهروب من الخدمة العسكرية والقتل.
وأوضح تقرير الرابطة، أن هذا التصنيف يؤدي إلى اختلاف في المعاملة، لافتا إلى أن المعتقلين الأمنيين يتعرضون لعمليات تعذيب ممنهجة وكذلك حرمان من الرعاية الصحية والطعام، بينما يتعرض المعتقلون القضائيون إلى عمليات تعذيب غير ممنهجة وعادة ما يحظون بزيارات دورية وطعام ورعاية صحية مقبولة.
ونتيجة لنظرة النظام السوري إلى المعتقلين في “صيدنايا” على أنهم “خونة وعملاء”، كانوا في أغلب الأحيان يُجرّدون من أيّة اعتبارات آدمية وإنسانية فتتم استباحتهم.
وفي الفترة بين عامي 2011 و2015 أصبحت الأوضاع داخل السجن في غاية السوء، كما انخفضت أعداد المعتقلين بداخله نتيجة لعمليات التصفية والإعدامات، إذ أعدمت السلطات ما يتراوح بين 30 إلى 35 ألف معتقل خلال 10 سنوات بشكل مباشر أو بسبب التعذيب أو نتيجة لانعدام الرعاية الصحية والطعام، وفق تقرير الرابطة.
وجرت العادة داخل “صيدنايا” بأن تتم عمليات الإعدام خلال يومين من كل أسبوع، كما أنه لا يتم إبلاغ المعتقلين بقرار الإعدام، لكن يتم نقلهم مساء لتنفيذ الحكم في اليوم ذاته أو اليوم التالي، فوق الرابطة.
وأشار التقرير إلى غرفتين تحتويان على منصات للإعدام، تقع إحداهما في “القسم الأبيض”، والأخرى في “القسم الأحمر”، موضحا أن عملية الإعدام تتم شنقا.
وعقب عملية إعدام المعتقلين، كان السلطات في السجن تقوم بنقل الجثث بترتيب تسلسلي بحيث يدُفن أولا أقدم من تم إعدامه، في مقابر جماعية، وفق تقرير الرابطة.
وعادة ما تكفلت إدارة الخدمات الطبية في مستشفى “تشرين العسكري” بنقل الجثث، لدفنها بمنطقة “قطنا” عند نقطة تقاطع “الفرقة العاشرة” مع “الحرس الجمهوري”، أو منطقة “نجها” بريف دمشق الجنوبي، أو منطقة “القطيفة” غرب “حقل الرمي” التابع للفرقة الثالثة، المُكلفة بحماية السجن.





