في أعقاب الهجوم الإسرائيلي المكثف على مواقع نووية وعسكرية داخل إيران، تصاعد الجدل حول الدور الذي تلعبه طهران في رسم ملامح التوتر والصراع في منطقة الشرق الأوسط، وبينما تبرر إسرائيل ضرباتها بأنها “وقائية” تهدف إلى كبح الطموحات النووية الإيرانية، يرى مراقبون أن إيران، عبر سنوات من السياسات الإقليمية العدوانية، كانت تسير باتجاه تصعيد شامل لم يعد من الممكن تجاهله.
رأس محور “الشرّ”؟
لطالما وُصفت إيران في بعض الأدبيات السياسية الغربية بأنها “رأس محور الشر”، نظراً لتحالفاتها مع مجموعات مسلحة في عدد من بؤر التوتر الإقليمي، أبرزها حزب الله في لبنان، والحوثيون في اليمن، وفصائل مسلحة في سوريا والعراق، إلى جانب دعمها المعلن لحركة حماس في قطاع غزة.
وتتهم إسرائيل وعدة عواصم غربية طهران بأنها المحرك الفعلي وراء سلسلة من الأزمات المتلاحقة في المنطقة، مشيرين إلى أنها تعمل على زعزعة استقرار الأنظمة والدول من خلال الحروب بالوكالة، ودعم الجماعات المسلحة، والتدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية.
حماس.. أداة النفوذ الإيراني؟
في قطاع غزة، تعتبر حماس من أبرز حلفاء إيران في الجبهة الفلسطينية. وعلى الرغم من وجود فوارق مذهبية وأيديولوجية بين الطرفين، إلا أن العلاقة القائمة على المصالح المشتركة في مواجهة إسرائيل، جعلت من طهران داعمًا أساسيًا للجناح العسكري للحركة، من خلال التمويل والتسليح والتدريب.
ويقول محللون إن إيران تستخدم حماس كأداة في استراتيجيتها الإقليمية، ليس فقط لإزعاج إسرائيل، ولكن أيضًا لتوسيع نفوذها السياسي في الساحة الفلسطينية، التي تشهد انقسامًا داخليًا منذ سنوات. ويضيف البعض أن التصعيد في غزة لا يمكن فصله عن الرسائل التي تحاول إيران إيصالها عبر وكلائها، في أعقاب تلقيها الضربة الإسرائيلية الأخيرة.
الهجوم الإسرائيلي: تحذير أم إعلان لحرب جديدة؟
العملية الإسرائيلية الأخيرة ضد إيران اعتُبرت من قبل البعض “نقطة تحوّل”، فهي لم تكن فقط رسالة ردع، بل ضربة مركزة على ما تعتبره إسرائيل جوهر التهديد الإقليمي: برنامج إيران النووي. في المقابل، ترى طهران أن هذه الهجمات “عدوان سافر” يستهدف السيادة الإيرانية ويستدعي الرد.
ويُعتقد أن طهران قد ترد من خلال حلفائها في المنطقة، ما يفتح الباب أمام جبهات اشتعال جديدة، سواء في غزة، لبنان، العراق، أو حتى في مياه الخليج، حيث تتواجد مصالح استراتيجية حيوية لأطراف دولية كبرى.
إيران والمشهد الإقليمي المضطرب
لا شك أن إيران لاعب محوري في معادلة الشرق الأوسط، لكنّ سياساتها التوسعية – كما يصفها خصومها – أدّت إلى تعقيد المشهد الجيوسياسي بشكل غير مسبوق. من سوريا إلى اليمن، ومن العراق إلى لبنان، تكاد لا توجد أزمة إقليمية كبرى إلا وكان لإيران فيها دور مباشر أو غير مباشر.
ويعتقد كثير من المحللين أن “ما زرعته إيران على مدى العقدين الماضيين” – على حد تعبيرهم – بدأ الآن في حصاده المرّ، حيث تواجه طهران اليوم وضعًا إقليميًا متقلبًا، يتطلب منها إما الانخراط في تسويات دبلوماسية أو المخاطرة بمزيد من المواجهات العسكرية.
ختامًا: إلى أين تتجه المنطقة؟
لا تزال المنطقة تعيش على صفيح ساخن، وإيران تجد نفسها اليوم أمام اختبار تاريخي. فالهجوم الإسرائيلي الأخير ليس مجرد عمل عسكري، بل تعبير عن نفاد صبر إقليمي ودولي من ممارسات طهران.
وبينما يرى البعض أن طهران “جلبت على نفسها” هذا التصعيد نتيجة سياساتها، يرى آخرون أن الحل لا يمكن أن يكون عسكريًا بحتًا، بل يتطلب إرادة سياسية حقيقية لكسر دوامة العنف وإعادة صياغة معادلات النفوذ في الشرق الأوسط، بما يضمن الأمن لجميع الأطراف، ويجنب شعوب المنطقة المزيد من المآسي.
