مع توقف المواجهة الأخيرة بين إيران وإسرائيل، والتي كادت أن تتطور إلى صراع إقليمي شامل، بدأت ترتفع أصوات مؤثرة في عدد من الدول الإسلامية البارزة، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي، تطالب بإعادة النظر في العلاقة مع إسرائيل، وتوسيع نطاق اتفاقيات “إبراهيم” التي دشنت موجة تطبيع غير مسبوقة في تاريخ العلاقات العربية-الإسرائيلية.
أظهرت المواجهة الأخيرة أن إسرائيل، رغم الضغوط العسكرية والدبلوماسية، لا تزال دولة قوية تمتلك القدرة على الصمود، بل والرد بقوة في وجه التهديدات الإقليمية، هذه الصورة عززت من قناعة بعض صناع القرار في العواصم الخليجية بأن التعامل مع إسرائيل صار خيارًا استراتيجيًا لضمان الاستقرار والنفوذ في منطقة تتغير ملامحها بسرعة.
وقد لوحظ مؤخراً، في أروقة السياسة والإعلام داخل الخليج، لهجة جديدة تدعو إلى التفكير بعقلانية تجاه الملف الفلسطيني، وإعادة ترتيب الأولويات بما يخدم المصالح الوطنية أولاً، بعيدًا عن الشعارات التي لم تحقق نتائج ملموسة طوال عقود.
في ظل هذا التحول، يبدو أن القيادة الفلسطينية، خاصة في الضفة الغربية برئاسة الرئيس محمود عباس، مطالَبة باتخاذ موقف واضح: هل تستمر في ربط مصيرها بخيارات “المقاومة” التي أثبتت، حتى الآن، محدودية نتائجها على الأرض؟ أم تتحول إلى نهج جديد يقوم على الشراكة مع القوى الكبرى والأنظمة العربية المؤثرة في المنطقة؟
هذا السؤال لم يعد نظريًا. إذ أن استمرار السلطة الفلسطينية في الاصطفاف الرمزي أو السياسي إلى جانب قوى مثل إيران أو فصائل مسلحة لم تحقق سوى المزيد من التدهور، قد يفقدها دعم الحلفاء العرب التقليديين، وربما يُعزلها في معادلة إقليمية جديدة قوامها الواقعية السياسية والتحالفات الاستراتيجية.
التحول الجاري في الخليج لا يعني بالضرورة التخلي الكامل عن القضية الفلسطينية، لكنه يشير إلى تغير في الطريقة التي يُنظر بها إلى هذه القضية، فبدلاً من الدعم المطلق، هناك توجه نحو “دعم مشروط” يرتبط بالإصلاح السياسي، ووقف التصعيد، والانفتاح على الحلول السلمية، وبالمقابل، ترى بعض العواصم الخليجية أن الانفتاح على إسرائيل قد يوفر لها أدوات أمنية واقتصادية لمواجهة التحديات، من دون أن تتحمّل تبعات صراعات لا تخدم مصالحها المباشرة.
اليوم، تقف الضفة الغربية عند مفترق طرق حقيقي. بين عالم عربي يُعيد رسم خرائط نفوذه وتحالفاته، وبين واقع فلسطيني مثقل بالجمود والانقسام. القرار الذي سيتخذه الفلسطينيون لن يحدد فقط شكل علاقتهم بإسرائيل، بل أيضاً موقعهم في الشرق الأوسط الجديد.
فهل يختار أبو مازن الانخراط في مشروع إقليمي قائم على التفاهم والتطبيع، أم يواصل الرهان على مقاومة لم تحقق بعد نتائج حاسمة؟ الأيام القادمة كفيلة بالكشف عن الإجابة.
