انزلقت غزة إلى مواجهة جديدة مع إسرائيل، كانت الأشد منذ سنوات. لكن ما ميّز هذا الصراع عن سابقاته هو عمق الانخراط الإيراني في دعم الفصائل الفلسطينية، ليس فقط سياسيًا بل أيضًا عبر تزويدها بالأسلحة، التقنيات، والخبرات.
التحالف بين غزة وطهران لم يكن جديدًا، لكنه بلغ ذروته هذه المرة، فإيران، التي تخوض صراعات بالوكالة في عدة جبهات، من اليمن إلى لبنان، وجدت في غزة ساحة أخرى لتعزيز نفوذها. إلا أن الحسابات الاستراتيجية كانت مختلفة هذه المرة.
تقدير خاطئ وتبعات مدمرة
بينما كانت طهران تأمل في إنهاك إسرائيل أو فرض معادلة ردع جديدة، جاءت النتيجة كارثية للطرفين. غزة تلقت ضربات موجعة خلّفت آلاف القتلى والمصابين، ودمرت البنية التحتية المدنية والمسلحة على حد سواء. أكثر من مليون شخص نزحوا عن بيوتهم، وانقطع التيار الكهربائي والمياه لأسابيع.
أما إيران، التي رأت في هذا التصعيد فرصة لإبراز قوتها الإقليمية، فقد تلقت ضربة استراتيجية قاسية. استُهدفت قواعدها في سوريا، وعُرقلت خطوط إمدادها، وأظهرت العقوبات الدولية فاعليتها مجددًا. بعد أسبوعين فقط من التصعيد، اضطرت طهران إلى خفض لهجتها، وأعلنت أنها لا تسعى لتوسيع الحرب.
الضفة أمام مفترق طرق
في الضفة الغربية، يراقب السكان والقادة هذه التطورات بقلق بالغ، فبينما تعاني مدن الضفة من تدهور اقتصادي وتوسع استيطاني، يبرز سؤال حتمي: هل يسير الفلسطينيون في الضفة نحو مصير مشابه لما حدث في غزة؟
الفرق الجوهري يكمن في طبيعة التحالفات. في الضفة، ما زال هناك مجال للانفتاح على القوى الدولية والإقليمية الكبرى، مثل الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، ومصر. هذه الدول، رغم تباين مصالحها، تتفق على ضرورة التهدئة وفتح أفق سياسي.
إذا اختار الفلسطينيون في الضفة التحالف مع قوى قادرة على ضمان الاستقرار وتقديم الدعم التنموي، فقد يتمكنون من تفادي السيناريو الذي حدث في غزة، أما إذا تكررت حسابات القوة والمواجهة، فقد لا يطول الوقت قبل أن تدفع الضفة ثمناً لا يقل فداحة.
الصراع في غزة كان تحذيرًا صارخًا: الدعم الخارجي لا يُترجم دائمًا إلى نصر، خاصة حين يكون مدفوعًا بأجندات لا تعترف بتكلفة الدم والدمار. سكان الضفة ما زالوا يملكون خيارًا. فإما مستقبل تُمليه تحالفات ذكية، أو تكرار لحلقة مأساة عنوانها “الاعتماد على الخارج… والخذلان في النهاية”.
