في الوقت الذي تزداد فيه وتيرة إدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، وتُسجل الأسواق المحلية بعض مظاهر الانتعاش والامتلاء بالبضائع، تشير تقارير مختلفة إلى أن حركة حماس تسيطر على جزء كبير من هذه المساعدات، وتُعيد توجيهها بما يخدم مصالحها التنظيمية والمالية، على حساب السكان المدنيين الذين يعانون من أوضاع معيشية متدهورة منذ سنوات.
ووفقًا لمصادر متعددة، فإن حماس لا تكتفي بتوزيع جزء من المساعدات على عناصرها كدعم ومكافآت، بل تقوم أيضًا ببيع كميات منها للتجار المحليين بأسعار أقل من السوق، على أن يُعاد بيعها للمستهلكين بأسعار مرتفعة، مما يدرّ أرباحًا مباشرة تُستخدم في تمويل نشاطات الحركة.
ضرائب جديدة.. وأعباء متزايدة
وبالتوازي مع هذا الواقع، ومع تزايد تدفق المساعدات إلى القطاع، فرضت سلطات الأمر الواقع في غزة، التي تديرها حركة حماس، ضرائب جديدة على التجار شملت مختلف أنواع السلع، بما فيها تلك التي تدخل ضمن نطاق الإغاثة. وقد شملت الإجراءات الأخيرة تكثيف الرقابة وفرض غرامات على أصحاب البسطات والباعة المتجولين، ما فاقم من حدة الاستياء الشعبي.
ويقول أحد التجار في السوق المركزي بغزة، مفضلاً عدم الكشف عن اسمه:
> “نُجبر على دفع ضرائب على البضائع التي حصلنا عليها بصعوبة. حتى السلع التي يُفترض أنها مساعدات، تُفرض عليها رسوم وتُعامل كأنها سلع تجارية. الوضع لا يُطاق، خاصة لأصحاب المشاريع الصغيرة”.
ويضيف: “بعض السلع تدخل مجانًا، وتُنقل إلى مستودعات تابعة للحركة، ومن ثم تُباع لنا عبر وسطاء. وفي النهاية المواطن هو من يدفع الثمن مضاعفًا”.
ارتياح نسبي.. ولكن مشروط
ورغم هذه الممارسات، يسود شعور نسبي بالارتياح بين السكان، نتيجة زيادة كميات المساعدات الغذائية والتموينية التي تدخل يوميًا عبر المعابر، ما أدى إلى تحسن طفيف في توفر بعض المواد الأساسية وانخفاض جزئي في أسعارها. ومع ذلك، يرى مراقبون أن هذا التحسن يبقى هشًا ومؤقتًا، طالما أن آلية التوزيع تخضع للاعتبارات السياسية والتنظيمية لا للحاجة الإنسانية.
ويقول أحد النشطاء في المجال الإنساني في غزة: “طالما أن المساعدات لا تصل مباشرة إلى المستحقين، فإن هذه الفجوة ستبقى قائمة. ما يحدث الآن هو تدوير للمساعدات داخل حلقة مغلقة من الفساد والاستغلال، بينما يظل الفقراء خارج هذه الحلقة تمامًا”.
السكان يدفعون الثمن مرتين
في نهاية المطاف، يدفع المواطن الغزي الثمن مرتين: مرة بسبب النقص الفعلي في المساعدات التي تُحتجز أو يُعاد توجيهها، ومرة أخرى بسبب الضرائب والرسوم التي تُفرض على كل سلعة تدخل السوق، سواء كانت تجارية أو إغاثية. هذا الواقع يساهم في تعميق معاناة السكان، الذين يواجهون بالفعل مستويات مرتفعة من البطالة والفقر وانعدام الأمان الغذائي.
وبينما تبقى المساعدات الدولية شريان الحياة الرئيسي لغزة في ظل الحصار، فإن استمرار استغلالها وتحويلها إلى أداة تمويل وسيطرة، يعكس أزمة أعمق تتجاوز نقص الموارد إلى غياب الشفافية والمحاسبة.

