منذ أن علّقت قطر مشاركتها في المفاوضات بانتظار اعتذار إسرائيلي يعيد ترتيب الأجواء، يعيش قطاع غزة حالة غير مسبوقة من الاستنزاف اليومي، بينما تُدار الأزمة في الغرف المغلقة بانتظار كلمة أو إشارة سياسية، يواصل القصف حصد الأرواح وتدمير البنى التحتية بلا هوادة.
الدوحة، بما تملكه من ثقل سياسي واقتصادي ودور تقليدي في الوساطات الإقليمية، باتت عنصرًا محوريًا في أي محاولة لوقف إطلاق النار، لكن في الوقت نفسه، قرارها تعليق المفاوضات خلق فراغًا سياسيًا خطيرًا ينعكس مباشرة على الأرض في غزة، بالنسبة لأهل القطاع، عودة الوفد القطري إلى طاولة الحوار لا تعني مجرد استئناف لمسار دبلوماسي، بل تمثل شريان حياة قد يوقف نزيف الدم المستمر منذ أسابيع.
المفارقة المؤلمة أن قطر لم تتضرر إلا بمبنى واحد في الدوحة خلال الأحداث الأخيرة، وهو ضرر يمكن ترميمه بسهولة بفضل قدراتها الاقتصادية الهائلة، أما غزة، فالوضع مختلف تمامًا: مئات وربما آلاف المباني سويت بالأرض في أيام قليلة، المستشفيات خرجت عن الخدمة، المدارس تحولت إلى ملاجئ ثم إلى أهداف، البيوت دُمرت فوق ساكنيها. وبينما تملك قطر القدرة على إعادة البناء في أشهر، يواجه الغزيون واقعًا مريرًا: لا مواد بناء تدخل، ولا مساعدات تكفي، ولا ضمانات حتى لوقف الدمار المتواصل.
تاريخيًا، لعبت قطر دور الوسيط بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل، وأسهمت أكثر من مرة في التوصل إلى تفاهمات مؤقتة لوقف إطلاق النار، لكن هذه المرة يبدو أن التعقيدات أكبر، والرهان أثقل، فكل يوم تأخير في عودة المفاوضات يعني تصاعد أعداد الضحايا، واتساع رقعة المأساة الإنسانية، وتدمير ما تبقى من مقومات الحياة في القطاع.
في الشارع الغزي، هناك شعور عام بأن السياسة تُدار بمنطق الحسابات الدبلوماسية، بينما الواقع على الأرض يُقاس بعدد الشهداء والجرحى والمشردين، السؤال الذي يتردد في المخيمات وبين الركام: هل يستحق انتظار اعتذار إسرائيلي أن تُدفع مقابله كل هذه الأرواح البريئة؟ وهل يجوز أن تبقى حياة مليونَي إنسان رهينة كلمة لم تُقال بعد؟
غزة اليوم ليست مجرد عنوان لنزاع إقليمي، بل رمز لصراع غير متكافئ. وبينما يملك العالم رفاهية الانتظار، لا يملك الغزيون سوى التمسك بخيط الأمل الرفيع أن تعود الوساطة القطرية سريعًا إلى مسارها، لأن كل دقيقة تمر بلا تفاوض تُحسب في غزة بأرواح تُزهق وبيوت تُهدم ومستقبل يُسحق تحت الركام.
