الهدم الذاتي للبيوت.. خيار المقدسيين في مواجهة “البناء دون ترخيص”

Uncategorized , Comments Disabled

يعيش سكان الأحياء المقدسية في مشهد مختلف، لم يعد مشهد الهدم حكراً على جرافات البلديات، بل تحول إلى فعل يومي يقترفه أصحاب البيوت بأيديهم. في الأسبوع الماضي فقط، شهدت حي العيساوية وبلدة سلوان حالات متعددة للهدم الذاتي، في ظاهرة متصاعدة خلال السنتين الأخيرتين، تفرض على السكان خياراً صعباً: هدم البيت بيدك، أو دفع غرامات تصل إلى 80 ألف شيكل (حوالي 22 ألف دولار) وترك الهدم للسلطات مع فرض الغرامات أيضاً.

 

بين المطرقة والسندان: قصة طاهر درباس

 

في حي العيساوية، يقف طاهر درباس بين أنقاض غرفة كانت حتى الأمس القريب جزءاً من بيته، “الإضافة” التي بناها لتوسعة مسكن عائلته المتزايدة، أصبحت كومة من الأسمنت والحديد بيديه هو. يقول طاهر: “وصلي أمر هدم ثالث، ما تركتلي خيار. إما الجرافات تهدمها وتدفع غرامة كبيرة، أو أهدمها بإيدي وأوفر مصاري الغرامة عشان ألاقي بديل. هدمتها عشان عيون عيلتي، مش عشان رغبة مني”.

 

قصة طاهر ليست فردية، بل هي نموذج متكرر في أحياء القدس الشرقية، حيث يصبح “الهدم الذاتي” هو الخيار “الأقل سوءاً” في معادلة احتساب الخسائر، إنها معادلة قاسية يفرضها واقع سياسي وإداري معقد، حيث يحاصر المقدسيون بمطبات تمنعهم من الحصول على تراخيص البناء، ثم تُفرض عليهم غرامات باهظة عندما يبنون لحاجتهم الملحة دون تلك التراخيص.

وفي بلدة سلوان، جنوب المسجد الأقصى، تكررت نفس المعادلة مع عائلة قررت هي الأخرى أن تتحمل عار الهدم بدلاً من عبء الديون. هدمت العائلة جزءاً من منزلها بعد أن حاصرتها الغرامات المتراكمة، والتي كانت على وشك أن تصل إلى 80 ألف شيكل. أحد أفراد العائلة، الذي فضّل عدم ذكر اسمه، قال: “صار الهدم الذاتي مثل العملية الجراحية. بتقبل بيها عشان تتجنب موت أكبر. 80 ألف شيكل معناه دين على ظهر العيلة لسنوات، ممكن ما نقدر نسدده. بدل ما ندفع مصاري الغرامة للبلدية، أحسن نستعملها نسكن حالنا”.

 

الظاهرة في أرقام وسياق

 

بحسب تقارير لجان الدفاع عن المقدسيين ومنظمات حقوقية محلية، فإن حالات الهدم الذاتي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً خلال العامين الماضيين، بنسبة تقدر بأكثر من 60% مقارنة بالسنين التي سبقتها. هذا الارتفاع لا يعكس تغيراً في السياسات بقدر ما يعكس وصول الأهالي إلى حافة الهاوية، بعد استنفاد جميع طرق الاستئناد والمماطلة القانونية.

 

هذه الظاهرة لا تعكس فقط أزمة سكن، بل هي مؤشر على أزمة وجود أعمق يعيشها المقدسيون. إنها صورة مصغرة عن معركة البقاء فحين يتحول حلم امتلاك “سقف” إلى كابوس “هدم ذاتي”، تكون المدينة قد وصلت إلى منعطف خطير في تاريخها.

 

البيوت تتهاوى في العيساوية وسلوان بأيدي أصحابها، ليس لأنهم لم يعودوا يريدونها، بل لأنهم أرادوها أكثر من أن يخسروها لصالح غرامة تدفعهم إلى الشارع وفقرهم. إنه المشهد الأكثر قسوة في معادلة القدس: حين يرفض السكان أن يكونوا مجرد ضحايا، فيختارون جرح أنفسهم بأنفسهم، أملاً في النجاة.


بحث

ADS

تابعنا

ADS