لا تُقاس الحروب بعدد أيامها فقط، بل بما تتركه وراءها من خسائر تحتاج سنوات طويلة لمعالجتها، وفي حالة قطاع غزة، يبدو الثمن الإنساني والمادي للحرب أكبر من أن يُختزل في أرقام الضحايا أو حجم الدمار الظاهر في الشوارع، فالحرب هناك لا تنتهي مع توقف القصف، بل تبدأ بعدها مرحلة أصعب: محاولة إعادة بناء ما تهدّم، وإعادة ترميم حياة الناس نفسها.
الدمار الواسع الذي طال الأحياء السكنية والبنية التحتية لا يعني فقط فقدان منازل أو طرق أو مدارس، بل يعني انقطاع دورة الحياة اليومية بالكامل، آلاف العائلات تجد نفسها بلا مأوى دائم، ومرافق حيوية مثل المياه والكهرباء والرعاية الصحية تحتاج إلى سنوات لتعود إلى الحد الأدنى من العمل المنتظم، وتشير تقديرات صادرة عن جهات دولية، من بينها تقارير مرتبطة بـالأمم المتحدة والبنك الدولي، إلى أن إعادة الإعمار في غزة ليست مسألة تمويل فقط، بل مسألة وقت طويل واستقرار سياسي وأمني يسمح ببدء عملية بناء حقيقية.
لكن الثمن الأكبر قد لا يكون في الحجر، بل في البشر، فالحرب تترك آثارًا نفسية عميقة، خاصة لدى الأطفال والشباب الذين نشأوا في بيئة يسودها الخوف وعدم اليقين. المدارس المتضررة، وفقدان مصادر الدخل، وتشتت العائلات بين النزوح المؤقت والبحث عن الاستقرار، كلها عوامل تجعل إعادة بناء المجتمع أكثر تعقيدًا من إعادة بناء المباني، فإعمار الإنسان يحتاج إلى سنوات من الدعم النفسي والتعليمي والاقتصادي، وليس فقط إلى الأسمنت والحديد.
كما أن طول فترة إعادة الإعمار يفرض تحديات إضافية على السكان، فكلما طال الانتظار، زادت صعوبة العودة إلى حياة طبيعية، وتعمّق الإحساس بعدم الاستقرار، كثير من العائلات تخشى أن تتحول المرحلة الانتقالية إلى واقع دائم، وأن يعيش الأطفال سنواتهم القادمة في بيئة مؤقتة بلا أفق واضح، وهو ما يضاعف الشعور بالهشاشة الاجتماعية والاقتصادية.
ورغم كل ذلك، يبقى التمسك بالحياة سمة بارزة لدى سكان غزة، فمحاولات ترميم البيوت، وعودة الباعة إلى الشوارع، وإصرار العائلات على إعادة فتح مدارس مؤقتة أو استئناف العمل، كلها إشارات إلى أن إعادة الإعمار ليست مشروعًا هندسيًا فقط، بل فعل صمود يومي، غير أن هذا الصمود، مهما كان قويًا، يظل بحاجة إلى وقت طويل وإرادة سياسية ودعم حقيقي، حتى لا تبقى غزة عالقة بين حرب انتهت… وإعمار لم يبدأ بعد بالقدر الكافي.
