هى ذلك “البعبع” الذي يرعب الكثير من البيوت المصرية كل عام .. إنها الثانوية العامة التي تشغلنا وتحول بيوتنا لمعسكرات أيام الامتحانات ولفرح العمدة حين ينجح طالب فيها . .ولجنازة يشبعوا فيها لطم – لا قدر الله- لو رسب شخص ولم يحقق المراد من رب العباد..
فرغم عيوب الثانوية العامة وأنها تصيب أولادنا بالإسهال والإمساك في وقت واحد أيام الامتحانات ويحتار الأطبة فى تحديد الحالة .. إلا أنها تهذيب وإصلاح .. تهذيب لسلوكيات أولادنا وإصلاح لتصرفاتهم ولنا كما أنها تقربنا إلى الله وخاصة الوالدين من كثرة الحسبنة والدعاء بحسبي الله ونعم الوكيل على أصحاب السناتر والأساتذة الذين مصوا دم أولياء الأمور، كما أنها تعلمنا نسامح وتنسينا إمبارح وتخلينا نفكر في أيامنا اللى جاية كما قال الجميل محمد فؤاد فهى تعلمنا نسامح أولادنا على تقصيرهم في المذاكرة أول السنة ونطالبهم بالتركيز في الآخر كام شهر قبل الامتحانات .. وتنسينا إمبارح وآخر 200 جنيه اتصرفوا على حصة الإنجلش .. وتخلينا نفكر في أيامنا السودة اللى جاية وياترى الفلوس اللى اتدفعت ح تيجى بفايدة والواد يجيب مجموع ويدخل كلية من كليات القمة ولا آخرتها يلم الدودة فى معهد القطن..
فمع ظهور نتيجة الثانوية ونجاح الواد تظل أغنية الناجح يرفع إيده هى شعار المرحلة القادمة والكل يرقص عليها ولا أغنية من الثانوية للكلية والمجموع قرب على الـ 100 لـ ” ليلى نظمي” .. أو ألو ألو إحنا هنا ونجحنا أهو في المدرسة بارك لنا وهات لنا معاك هدية كويسة للجميلات شادية وفاتن حمامة وزينات صدقي.. فمن حقه أن يحصل على هدية كويسة بعد أن رفع راسنا.. طويل العمر يزهزه عصره هاي هاي وجاب مجموع كويس .
أما من لم يحالفهم الحظ وكان شعارهم طوال السنة ” نام وارتاح يأتيك النجاح” ولم يعملوا بقول الشاعر ” من طلب العلا سهر الليالي ..بل طبقوا ” من نام بات للعام التالي” ..هم سهروا على صفحات التواصل الاجتماعي ولم يستمعوا لنصائح الوالدين والمثل الذي يقول” من زرع حصد” . لماذا نجعل من الثانوية العامة ” بعبع” يرهب أولادنا ويخيفنا؟ لا ننكر أن الثانوية العامة مرحلة فارقة في مستقبل أولادنا..لكن هل كل من تفوق ونجح فيها طوال السنوات السابقة حقق نجاحًا في حياته العملية..
ومتى كانت الثانوية العامة مقياسًا للحكم على قدرات الطلبة وتفوقهم في ظل وجود ” شاومينج” الذي يساوي بين الغني والفقير ..قصدى الطالب الشاطر وتنابلة السلطان الذين يساعدهم الغش بوسائله المتطورة في الحصول على درجات تفوق المجتهدين والمتميزين من الطلبة طوال السنة..
ومع تغير الأنظمة لكل وزير تعليم يأتي ليصف مناهج من سبقه بأنها لا تصلح للمرحلة الحالية حتى وصلنا لـ “بوكليت” ح تودينا لفينا يا مصر؟..وهل يعني دخول طالب ” معهدًا” أنه غبي أو فاشل وضاعت فلوسك يا عم صابر وتحويشة العمر على إنك تدخل ابنك كلية نضيفة ..الفشل ليس في حصول الطالب على مجموع قليل لا يؤهله أن يلحق بكليات القمة ويكون ضحية مكتب التنسيق الذي يرميه في أي معهد لا يحبه ..ليس دخول ابنك معهدًا يدل على فشله وليس دخول زميل له كلية قمة دليل على تفوقه أو نجاحه في حياته العملية رغم أننا بلد شهادات إلا أن الحياة العملية تختلف كثيرا عما درسناه وتعلمناه طوال 16 سنة تعليم من ابتدائي حتى الجامعة ..فما اكتسبناه طوال هذه السنوات مجرد حفظ للمواد و” فرغها” على ورقة الإجابة في الامتحانات.. وبعد التخرج لم نتذكر شيئًا مما درسنا إلا القليل إن كان عملنا في في نفس التخصص الذي تخرجنا فيه..هناك من تخرج في معهد ثم أكمل دراسته وتفوق وشق طريقه في الحياة وأبدع وتميز فالمستقبل ليست له باب واحد هو الجامعة فأين أوائل الثانوية العامة الآن الذين كنا نتحصر على أنفسنا بلسان قاسم السماوي ” جتنا نيلة في حظنا الهباب” ونصفهم بـ” بالموس” أو “الدحيحة” هل أصبح واحد منهم وزيرا أو عالما ؟..أم غيروا اتجاهاتهم ولم يكملوا تعليمهم لظروف اجتماعية بعد تفوقهم في الثانوية؟ هل هناك منهم من حصل على جائزة نويل مثل الدكتور أحمد زويل..أو الدكتور مصطفى السيد الذي يعالج السرطان بالذهب ..ولن أذكركم وأنكد عليكم بكفاح العقاد وطه حسين الذي حفظناه عن ظهر قلب…
مع ظهور نتيجة الثانوية العامة يبدأ نيزنس الجامعات الخاصة ومدراس التأهيل للكليات العسكرية ويبدأ أصحاب المواقع فى البحث عن الترافيك بكلمة اعرف نتيجتك في الثانوية وتدخل من رابط لرابط ولا مغارة على بابا ولا تحصل على شيء ويجنى أصحاب السيبرات أمولا طائلة وترى من يوزع على الراسبين أوراق الالتحاق بالمدارس الفندقية لتحويل المسار..فمصائب قوم عند قوم فوائد.. دعنى أسألك سؤالًا لولبيا..استفدت إيه من دراستك طوال هذه السنوات وهل استخدمت المواد التى درستها وحفظتها في حياتك العملية؟ فهناك فرق بين المتعلم والمثقف فأنا أعرف طلبة لا يعرفون الألف من كوز الدرة هم الآن موطفين وصحفيين لا يفقهون شيئًا وهناك نماذج أخرى لم تحصل على درجات كبرى في الثانوية عملوا في مجالات مختلفة وتفوقوا فيها على زملائهم أصحاب المجاميع العالية.. ليصبحوا أسماء مشهورة يشار لها بالبنان فنجاحك أو فشلك في الثانوية قد يكون نقطة تحول في حياتك المهم أن تستفيد من هذا الفشل وتحوله إلى نجاح ولا تجعل الثانوية العامة “البعبع” الذي يخيفنا به الإعلام ويحدد مستقبلنا كما كانت جدتي تخوفنا بأحاديث أمنا الغولة وأبو رجل مسلوخة ومدرسونا يخوفننا بأنهم سيدهنوا جسمنا بالعسل ويحطونا في ” أوضة الفئران” لما لا يكون دخول الكليات حسب القدرات والمواهب لا المجموع ..فبعد أن كبرنا ودخلنا معترك الحياة – حلوة معترك الحياة دي- أدركنا أن هذه القصص من نسج الخيال لننام مبكرًا أو نخاف من والدينا..يا عزيزي كلنا مخطئون . أنت من ترسم مستقبلك وتحدده فلا تكون إلا أنت فقط اختر طريقك فليس هناك مستحيل في ظل إرادة وعزيمة قوية بعيدًا عن “بعبع” الثانوية وأمنا الغولة وأبو رجل مسلوخة.. فالمصري كما قال محمد هنيدي في فيلم فول الصين العظيم معروف بقوته وجبروته.. وسمعني سلام شحط محط ..وادخل بقى بأغنية “المصريين أهمه حيوية وعزم وهمة”.
