نصيحتى لكم.. ابتعدوا عن التحليل السياسى

وجهات نظر , Comments Disabled

صدعتم أدمغتنا وشوشتم عقولنا وأوهمتمونا أن باراك  أوباما وهيلارى كلينتون كانا متآمرين على مصر بغرض تقسيمها، وكانا داعمين لجماعة الإخوان الإرهابية، بهدف إعادة مرسى لكرسى الحكم مرة أخرى، وبرغم أنكم صدعتمونا فى هذا الشأن، إلا أن نشكركم لأنكم كنتم صادقين فيه إلى حد ما.

هللتم كثيرا كتهليل الأطفال لقدوم الأب الغائب لفترة طويلة، وذلك عندما فاز دونالد ترامب برئاسة أمريكا، واتسعت دائرة فرحتكم لتكون بحجم العالم كله، عندما التقى الرئيس عبد الفتاح السيسى نظيره الأمريكى فى واشنطن، وقلتم لنا أن الزيارة بداية النهاية الحقيقية للإخوان ولكل تيارات الإسلام السياسى المتطرفة فى منطقة الشرق الأوسط وفى العالم كله.

فرحنا لكلامكم واستبشرنا خيرا بتحليلاتكم، وتوهمنا أن أمريكا أصبحت “دمية” فى يدنا، على شاكلة سيدة “بيت الدمية” لهنريك أبسن،  خاصة وأنكم تحملون جميعا لقب خبير أمنى واستراتيجى، ولمعظمكم خلفيات شرطية وعسكرية، ولكم صلاتكم بدوائر صنع القرار وبالمؤسسات الحاكمة، وتلك العليمة ببواطن الأمور، “حتى قبل حدوثها!”.

لم يمر الكثير من الوقت، حتى استيقظنا على مفاجأة غير سارة، كشفت عورات قائمة ما يسمون أنفسهم بـ “الخبراء الأمنيين والاستراتيجيين”، فى حين أنهم ليسوا سوى منجمين يتنبأون بالغيب نزولا على نظرية عقيمة وقديمة، وهى نظرية المؤامرة، وهى نظرية مريحة لكل من يتقنها، ولها وقع السحر فى فرض الوصاية على الجميع، من منطلق “إحنا اللى فاهمين كل حاجة وانتوا مش فاهمين أى حاجة” .

مفاجأة خفض المعونة الاقتصادية  الأمريكية السنوية لمصر بواقع 290 مليون دولار، أى بما يعادل نحو 5 مليارات جنيه مصرى، هى مفاجأة ضارة وغير سارة، حتى ولو أبدينا غير ذلك لدوافع مفهومة فى سياق نظرية المؤامرة، وهى مفاجأة لها مغزى واضح وفاضح، لأنها جاءت من إدارة أمريكية يقودها ترامب الذى هللنا كثيره لفوزه، ولم تأت من إدارة أوباما التى هللنا كثيرا لرحيلها، ولرحيل الوجه الآخر له، المتمثل فى هيلارى كلينتون.

خبراء الأمن والاستراتيجية عندنا، كانت التحليلات عندهم جاهزة، مثل الوجبات التيك أواى، فهذا يراها وشاية من قطر ونتيجة دفع الدوحة لرشوة سخية للإدارة الأمريكية، فى إطار مؤامرة الإمارة القطرية ضد الدولة المصرية  وذاك يراها انصياع أمريكى رسمى لضغوط إخوانية، فى إطار مؤامرة الجماعة الإرهابية  ضد الدولة والمجتمع، وكأن الإخوان مازالوا قادرين على التحكم فى حركة القرية الكونية بعد كل هذه الضربات والملاحقات فى الداخل والخارج !

هذا المشهد التحليلى الأشبه بالعبث، لا يجدى ولايفيد، بل يضر ضررا شديدا بالدولة والشعب، فلا هو فيه رؤية صادقة أو نظرة موضوعية تستفيد منها الحكومة فى إدارة ملف ما، ولا هو فيه معلومة أو سردية تحليلية منطقية يستفيد منها المواطن، وبالتالى يستفيد منها الشعب، ويكون قادرا بفضلها على اتخاذ موقف سليم تجاه قضية بعينها، بدلا من الردح الذى نراه على السوشيال الميديا، من جانب مصريين مختلفين سياسيا، و ليس لديهم أى رؤية منطقية تجاه أى حدث أو قضية مختلفين بشأنها .

لكل ذلك، وبهدف معالجته، يجب أن يتنحى هؤلاء “الخبراء الأمنيين والاستراتيجيين “، عن التحليل السياسى،  رحمة بنا ولمصلحة الوطن والمواطن، وفى حالة ما إذا كان استمرارهم فى التحليل السياسى  “قدر مكتوب علينا”، فإنه يجب عليهم، كما يجب على غيرهم، الكف عن نظرية المؤامرة فقط  فى تفسير كل شىء، لأن الاعتماد عليها وحدها ينتج  رؤى تحليلية كاذبة وخادعة، وأحيانا مضللة للشعب، وتدفعه لاتخاذ موقف عدائى صاخب من دولة ما، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، دونى أدن إدراك منه لقواعد اللعبة السياسية فى تلك الدولة، وللدور الذى تراه لنفسها على الساحة الكونية، وللتوجهات الرئاسية الحاكمة لسياستها الخارجية لفترات زمنية طويلة .

سبب سقطة كل هؤلاء فى العبث السياسى الذى جنته أياديهم، ونكتوى نحن بمرارة كأسه، أنهم شخصنوا الحياة السياسية فى أمريكا، ونظروا لها بعين مصرية خالصة، فغاب عنهم أن الولايات المتحدة  دولة مؤسسات، بصرف النظر عن كون سياستها “خيرة أو شريرة”، فأهالوا التراب على أوباما وإدارته “حزب ديمقراطى”، وأهالوا الورود والمديح على ترامب وإدارته “حزب جمهورى”، وتناسوا أن العراق فى عهد صدام حسين سقط على يد جورج بوش الإبن وإدارته “حزب جمهورى “، بمبرر خلق نموذج فى المنطقة للتحول الديمقراطى، وهذا لكل من يدرك بديهيات السياسة يعنى بما لايدع مجالا للشك، أن الجمهوريين فى أمريكا  أكثر تطرفا من الديمقراطيين فى استخدام ملف حقوق الإنسان والحريات السياسية للتدخل فى شئون الدول الأخرى .

كل ما قلناه يفسر لنا سر اتخاذ إدارة ترامب للقرار المفاجىء بخفض المعونة الاقتصادية لمصر، ولو ابتعدنا عن نظرية المؤامرة فى التحليل السياسى، فسوف نتنبأ بالقرارات والتصرفات الأمريكية المقبلة، وبالتالى نعمل دبلوماسيا لتفاديها من الآن، بدلا من العبث فى التحليل السياسى، وبدلا من الارتباك الدبلوماسى القائم على رد الفعل فى السياسة الخارجية، وليس الفعل، ولكى نكون فاعلين فى المعترك السياسى الدولى، فلابد من أخذ العظة مما قلناه، لأننا ما قلناه إلا لمصلحة الوطن والمواطن ولمصلحة الدولة المصرية.


بحث

ADS

تابعنا

ADS