المصري لم يعد “ابن نكتة”

وجهات نظر , Comments Disabled

بقالى زمان حزين يا زمان نسيت الضحكة والفرحة..يا ناس ..قلبي تاعبني يا ناس حد يجاوبني يا ناس..محدش عنده ضحكة سلف أدارى دموعي جواها ..محدش عنده فرحة دا أنا قربت أنساها ..يا عم يا اللي ماشى وبايع دنيتك..علمني اضحك يا أما سلفني ضحكتك..كلمات  أغنية للمطرب  الشعبي عبد الباسط حمودة تعبر عن الحالة التي نعيشها، فلم يعد أحد يسأل المصريين المعروفين بخفة دمهم وسخريتهم حتى من مشاكلهم وأزماتهم، إيه ”آخر نكتة رغم ما  عرف عنهم من تبادلهم النكات أثناء جلوسهم في المقاهي، فلا تستغرب أن يكون الرد “في حد نفسه لحاجة زى كدا..، أنت مش شايف اللي بيحصل في البلد”. فقد فارقت الابتسامة العريضة وجوه المصريين فأصبح المصري على رأي مسلسل خاتم سليمان تايه سارح في الملكوت ميهموش العمر يفوت، فالمصري أصبح يمشى على حسب الريح ما يودي، فوجه المصري الذي كنت تميزه بالابتسامة أيام زمان ..وجهه يقطع الخميرة من البيت، يفكرك بحنظلة ” ألا تستحم يا رجل ” فى فيلم “فجر الإسلام” فقد ألقت  الأحداث بظلالها على المزاج العام للمصريين، وخلقت حالة وجوم سادت وجوه الكثير في الشارع تزامنت أيضًا مع اختفاء خفة الدم المصرية. فلم يعد المصري “ابن نكتة” كما كان أشيع منذ القدم، أن المصريين من أكثر الشعوب خفة دم وتبسمًا وقدرة على تدارك المواقف والسخرية من الواقع الذي يعكر صفو الحياة. فغياب الابتسامة على وجه المصريين كان في الماضي بسبب اليأس الشديد على المستقبل، والآن بسبب القلق والخوف الشديدين على إثر الأوضاع اليومية التي يعيشها الإنسان المصري. ”.لذا يردد المصريون أمثال مثل :”جت الحزينة تفرح مالقيتلهاش مطرح» و”هم يبكى وهم يضحك”، حتى عندما يضحك، تدمع عيناه ويقول ربنا يجعله خير.

فقد أوضحت دراسة لـ «شبكة حلول التنمية المستدامة في اليوم العالمي للسعادة أن في مصر 4200 حالة انتحار سنويًا وتذيلت مصر القائمة واحتلت المركز الــ130 على مستوى العالم كأقل الدول استمتاعًا بالسعادة، ففي مصر مليون و400 ألف مكتئب ويتعالج 10% منهم فقط.

فأين أيام ما كانت أكبر هموم البلد بتشجع الأهلي ولا الزمالك ولا السخرية من قطر ..”هى قطر شايفة نفسها علينا كده ليه ؟؟ دى بـ 150 جنيه فى بنك الحظ”.

ورغم ذلك أسقطت  نكات المصريين نظامًا استمر 30 عامًا وخفة دمهم ظهرت في الأزمات، وأصعب الأوقات، ففي ميدان التحرير أثناء الثورة لم ينس المعتصمون خفة الدم كسلاح سري  لرسم بسمة أخفتها الأوجاع وكتب متظاهر..”  ارحل .. مراتي وحشتني (متزوج منذ 20 يوماً).شعار آخر : باي مبارك .. موبايلات بقى !المصري فكاهي بطبعه.. يتعايش مع المشكلات بـ “التنكيت”فعرف بأشهر المقولات “الشعب المصري ابن نكتة”، فأهل القاهرة يسخرون من الصعيد الذين يشتهرون بإطلاقهم النكات، وقد يسخر الإنسان في بعض الأحيان من نفسه. ففي الثلاثينات ظهر فن المونولوج الذي دخل النجوم بوابة العظماء إلى السينما والمسرح من بينهم يوسف وهبي ونجيب الريحاني وحسن فايق، إسماعيل ياسين، وشكوكو، وأحمد الحداد، وأحمد غانم، وسيد الملاح، وثريا حلمي، ولبلبة، وحمادة سلطان، وصولا إلى فيصل خورشيد وعادل الفار و«محمود عزب». اختفي المونولوج الساخر بعد رحيل سعاد حلمي و الملاح وأحمد غانم وشكوكو وإسماعيل  فلم نعد نراه في الأفلام ولا حتى الأفراح، بعد أن كان هو دائمًا الوجبة الدائمة على موائدها. الله يرحم السبعينيات حين لم يكن هناك أحدٌ بوسعه منافسة الشيخ عبد الحميد كشك في شهرته في عالم الكاسيت، إلا المنولوجست حمادة سلطان الذي كان  يطلبه الرئيس السادات بالاسم في أوقات بعينها لكي يتوجه له في منزله ويقضي معه أوقاتـًا طويلة ليسمع منه النكات التي تم تأليفها فهو الرجل الوحيد الذي كان قادرًا على إضحاك السادات في أحلك الظروف، ولهذا استحق بجدارة لقب (منولوجست الرئيس)! وهو صاحب براءة اختراع 15 ألف نكتة، وله نكنة جعلت الرئيس يزود مرتبات العساكر” (مرة واحد بيلعب شطرنج.. العسكري رفض يتحرك إلا لما ياخد شلن) فضحك السادات وفوجئ بعد انتهاء فقرته بممدوح سالم (وزير الداخلية آنذاك) يطالبه بالتوجه فورًا إلى الرئيس، فتوجه له وهو مرعوب وتحدث معه 10 دقائق ثم وجده يسأله عن خلفية هذه النكتة التي قالها فأجابه: (يا ريس، العساكر فقراء ولا يحصلون على رواتب كافية وأجورهم بسيطة) فنادى الرئيس على ممدوح سالم والمشير أحمد إسماعيل وقال لهم (أبقوا زودوا أجور العساكر) فقاموا بتغيير قانون الأجور، وبعدها بأيام ارتفعت أجور العساكر فأصبح حمادة فخورًا بأن نكتة قالها تسببت في ذلك.

فهل هناك من يتذكر أغنية إسماعيل يس “فيه ناس بتكسب ولا تتعبش .. وناس بتتعب ولا تكسبش” وثريا حلمي “يا سواق التاكسي أمانة .. رد على الناس التعبانة” وسيد الملاح “أنا .. أنا.. إبريق الشاي” كما قدمه كبار المطربين مثل أم كلثوم في أغنية »غنيلي شوية شوية  ومحمد عبد الوهاب في عشرة كوتشينة وعبد الحليم حافظ من خلال »الدنيا و يانا” والتي حلت مكانها الألفاظ  الجنسية النابية في الأفلام  وبرامج التوك شو ومسلسلات “السيت كوم ” وظهرت أغاني (قوم أقف وأنت بتكلمنى ) ..(هيه ناقصاك أنت كمان..جاى وعايز منى حنان ).. (بحبك يا حمار ) “أطبطب وأدلع ” و”بوس الواوا ” التي غلبت “السح ادح أمبو” لذلك اختفى “المونولوج ” الكوميدي الساخر الذي كان يعرى المجتمع وينتقد عاداته السيئة وسلبياته

وظهرت برامج وأغاني ساخرة تحاول تقديم رسالة المونولوج لكنها  لم تبق في ذاكرة المشاهدين لأنها أقل جمالًا من المونولوج الذي كان يقدم موقفا اجتماعيا بشكل واضح جدا وكوميدي فمن كان يكتب هذا المنولوج أو يلحنه إنهم كبار الشعراء والملحنين مثل محمد عبد الوهاب وكمال الطويل فقد كان المنولوج بوابة سحرية إلى السينما والمسرح  فانقرض  وانتهت رسالته بعدما ارتاده فاقدو المواهب ومستخدمو الألفاظ الخارجة منه ..! وأتمني في ظل الأيام المقبلة أن تقوم الإذاعة بدورها في اكتشاف الموهوبين لكي نستطيع أن نحيي فن المونولوج من جديد.

هل هناك علاقة بين طبق الفول  الذي يتناوله المصريون وخفة الدم ..عباس الضو “بيقول آه ” وكمان العلم والدراسات تقول إن خفة الدم منتشرة بين الشباب حتى سن 38، وتظهر بشكل أوسع بين الذكور” حيث توصل الدكتور محمد فياض، أستاذ الطفيليات الجلدية، في إحدى دراساته إلى أن طبق الفول بالزيت الحار والذي يحتوى على مادة «التربوفان» التي تزود المخ بشحنة كهربائية عالية، مما يشعر الفرد ببهجة الحياة والسعادة، وله تأثير إيجابي في الإحساس بالتفاؤل للإنسان فتتبلور تلك الطاقة ويستغلها المصري في تأليف النكات.

البلد دلوقتى بقت عاملة زي واحد أخرس بيقول لواحد أطرش إن فى واحد أعمي شاف واحد مشلول بيجرى ورا واحد أقرع بيشد فى شعره.. ومحدش فاهم حاجة ولا عزاء للفن الجميل ..و”متوقفش الضحكة عندك”.

 


بحث

ADS

تابعنا

ADS