(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي).
الشك لا يكون أبدا نقيضا للإيمان، بل الشك هو أولى الخطوات نحو اليقين والإيمان الصادق الحقيقى.. فلا إيمان إن لم يسبقه شَكّ وتساؤلات واستفسارات، بل وشطحات!
إن الذين يولدون ثم يكبرون ويعيشون مقلدين ما ورثوه عن آبائهم، ومُتَّبعين دينهم بالوراثة والتقليد والمحاكاة، دون بحثٍ أو دراسةٍ أو شَكّ أو تساؤلٍ أو فهمٍ لجوهر الدين وتعمق فى مقاصده، أو دون الوصول إلى الاقتناع والإيمان وإثبات صِدْق الدين نفسه والرسالة النبوية ذاتها.. هل نستطيع أن نطلق على هؤلاء (مؤمنين)؟!
ما الفارق إذن بينهم وبين الذين وَبَّخَهم الله فى كتابه مُبَيّنا سبب ضلالهم وهلاكهم، حيث كانوا يقولون :
)بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئا وَلَا يَهْتَدُونَ).
*إبراهيم الخليل هو الرائد لهذه المدرسة التى لا تقنع بما يُتَوارث من الآباء لمجرد أنهم كانوا كذلك يفعلون :
(إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ.. قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (
(إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاما فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ(
إبراهيم الخليل لم يقنع ولم يرضَ بمعتقدات آبائه التى وجدها تخالف العقل السليم والمنطق الصحيح والفطرة السوية، فلجأ إلى عقله، يُمْعن التفكير، ويتأمل الكون من حوله، يبحث عن سر الوجود، وإله الكون المعبود :
)فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَة قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ(
ويعلق الله سبحانه على هذا المشهد، مادحا، مبينا أن هذا هو أول طريق الإيمان واليقين :
(وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ)
إبراهيم الخليل النبى الرسول، حتى بعد أن وصل لحقيقة الإيمان بالله الواحد المعبود، وكُلّف بالرسالة من قِبَل الله إلى قومه، وجاءه الوحى بالصحف والآيات .. إلا أنه -وهو رائد مدرسة الشك- وجد فى نفسه شيئا تجاه قضية الموت والحياة! إذ ألحّ عليه عقله بالتساؤلات والشكوك.. كيف يكون البعث من بعد الموت؟!!
(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي(
وسبحان ربى العالم بالنفس البشرية، الخالق لهذا العقل العجيب الذى مِن أجله أسجد لنا الملائكة.. تجاوب الله مع تساؤلات الخليل وشكوكه، وأجرى له تجربة عملية لكيفية البعث، ليكتمل الإيمان، ويتم اليقين :
)قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَة مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(
*الله خلقنا، وخلق فينا “العقل” الذى هو سبب التكليف، فلا يحاسب على أفعاله إلا إنسان عاقل، ورُفع القلم عن المجنون، والإنسان مُخَيَّر لا مُسَيَّر، حُرٌّ لا مُجْبَر، يفكر ويقرر ويختار ويفعل وينحاز حسب ما يمليه عليه عقله .. فلا يُتَصَوَّر أن يكون هناك حساب فى الآخرة لأناس مجبورين مُسَيَّرين مقهورين فى أفعالهم غير مخيرين!
*أتعجب من كثير من المتعصبين الذين يتشدقون بأنهم “حُماة الدين”، وينصِّبون أنفسهم مدافعين عن حمى الإسلام، فيتوعدون ويُرهبون كل مَن يحاول أن يُعمل عقله ليبحث ويفكر فى قضايا خلافية فقهية!
إن مِن حق كل إنسان أن يفكر كما يريد، ويبحث كما يشاء، بل ويشكك فى ما ورثه من المسلمات البديهيات، بل ويشكك أيضا فى دينه نفسه..!
يا هذا مَن أنت لتَحجر على الخلق تفكيرهم وترهبهم باسم الدين؟! ألم يقل خالقك لمَن هو خير من مِلْ الأرض مِن أمثالك :
(فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ(
ألم تتلُ من قبل:
(وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ(
ألم تفهم خطاب الله لنبيه :
)أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)؟!
ألم تعلم أنه لولا عقل “إبراهيم” الدائم البحث الكثير التساؤل المفرط فى الشك.. لما كان إبراهيم “خليلا”؟!
إن صاحب الحق حجته قوية.. لا يخاف مِن إطلاق العنان للعقل والفكر إلا كل مُرتاب ضعيف الحجة، فقير البيان. فاختر لنفسك أى الفريقين تريد أن تكون.
