مضربون.. ومستمعون

وجهات نظر , Comments Disabled

رويدا رويدا.. الساعة الآن السادسة والربع، على الفور احتسيت كوب الشاي بالنعناع المعد لى، لملمت أشيائي وتجهزت مرتديا ملابسي، لمقابلة صديق لى، وهرولت نحو الباب، وسارعت لركوب تاكسي لأحد مقاهي وسط البلد.

وكعادتى فإننى قبل ركوب التاكسى أتأمل فى وجوه سائقى التاكسي، لأتخذ منهم من أرتاح لملامحه كي يعيننى على الطريق بلا استظراف أو استلطاف أو استخفاف، إلا أن القدر لم يبدو أنه فى صالحى هذه المرة، فما إن استوقفته، حتى ترددت فى الركوب بعد كلماتي “وسط البلد يا اسطى”.

ولم أكن لأتردد ، فأنا السبب، نعم أنا الذى استوقفته، لم يكن الوجه مريحا لى، وأجبت فى خاطرى “مش شرط الملامح”، وفى استجابة مترددة فتحت الباب، متخذا الكرسي الأمامى، يا له من قدر.. أغنية.. آه.. آه.

واستنطقت نفسي: يا عم .. أجاب: محسوبك مرسى يا بيه..

أغنية مين: ” باستهجان”

قال: دي الست ..

قلت: هوه فيه ست غير أم كلثوم..

أجاب: يابيه دى الست سما ..

أكملت: المصرى .. هه ههههه

عم مرسي: الله طب ما هو مزاجك عالى أهوه .. بتسمعها أكيد؟

أنا: مش متابع..

عم مرسي: دى بقى أغنية أحمد.. الشبشب ضاع

عندئذ وجدتني فى حيرة من أمرى، وجال بخاطري أنا أفتح الباب فى الإشارة، فما جال بخاطري يوما أن أكون ضمن مرتادى أغانى المستنقعات.. إن جاز التعبير، وفكرت، أيمكن أن أستسمحه بتغيير تلك النغمات الموغلة في الهبوط والسماجة…

إلا أنني تراجعت سريعا عن الفكرة.. بلسان الحال.. دع الرجل يستمتع، لماذا تفسد عليه لحظاته.

ونظرت نظرة فى العداد وأخذت قرارى.. سأستكمل المسافة مترجلا فلم يبقى على المكان المتفق عليه غير القليل.

وساءلت نفسي، ما الذى حدث للشخصية المصرية، أهو الهم والوجع، أم استظهار الشفاء من أمراض الزمن، أم إظهار القدرة على الانتصار على مقدرات الزمن.

وحضرني حينذاك كلمات ابن خلدون فى مقدمته، فقد أشار إلى خصوصية الشخصية المصرية قائلا: ” أهل مصر يميلون إلى الفرح والمرح, والخفة, والغفلة عن العواقب” .

وربما يفسر هذا، أن المصريين كانوا يحكمون بواسطة حكام أجانب معظم مراحل تاريخهم , وكانوا يقبلون ذلك سماحة أو طيبة أو غفلة أو تهاونا أو رغبة فى الراحة والاستقرار.

وحين كانت تشتد بهم الخطوب نتيجة عسف الحاكم الأجنبى المستبد والمستغل كانوا يستعينون بالنكات اللاذعة والسخرية لتخفيف إحساسهم بالمرارة مما يعانون, وكان سلاح السخرية يؤجل الثورة وربما يجهضها لأنه يعمل على تنفيث الغضب الكامن.

إن الشخصية المصرية وتحديدها مازال عصيًا على الفهم مثيرًا للجدل.

إن مفاهيم الشخصية المختلفة، تصور ديناميكي متطور يستوعب داخله تطورات وأحداث ومتغيرات متباينة.

وأختتم بقول المؤرخ الإغريقي هيرودوت: ” مش بس الجو المصرى مالهوش مثيل فى بلد تانى، و لا سلوك النيل يختلف عن سلوك الانهار فى الأماكن الأخرى ، المصريون أنفسهم فى عاداتهم و تقاليدهم يتصرفون بطريقه معاكسه لبقية البشر”.. غني يا عم مرسي.


بحث

ADS

تابعنا

ADS