جَنَاب المُهَرجة

وجهات نظر , Comments Disabled

أتعلَم من أين جئنا أنا وأنت وكل هذا العالم؟ لقد خُلقنا جميعًا من الضحك!

ليست مقولة مسرحية على طريقة الفنان (المسرحى دائمًا) يوسف وهبى، ولا قبَس من أحد الأعمال الأدبية، بل هى عقيدة أجدادنا المصريين القدماء فى نشأة هذا العالم، إذ تقول أسطورتهم فى الخَلق إنه “حين أراد الإله الأكبر أن يخلق العالم أطلق ضحكة قوية فكانت أرجاء العالم السبعة، ثم أطلق ضحكة أخرى فكان النور، وأطلق ضحكة ثالثة فكان الماء.. وهكذا حتى خلق الروح من الضحكة السابعة”.

ترى هل يمكن أن يكون لهذا المعتقد الجمعى القديم أثر باقٍ حتى الآن فى طبائع المصريين، يتجلى فى تفوقهم الدائم فى الضحك والسخرية من أى شىء وكل شىء، حتى من أنفسهم وأزماتهم وصراعاتهم الداخلية والخارجية؟! يغرقون فى الوحل فيجدون فى ملابسهم المتسخة ومناظرهم المشوهة مثيرًا قويا للضحك، جموحهم فى الظرف والاستظراف والنكتة تخطى الحدود الطبيعية عند الأمم والشعوب، وأصبحوا مثار عجب وإعجاب العالم بقدرتهم السحرية على علاج الأزمات، بل الكوارث، بأرخص دواء فى بلد الغلاء.. الضحك.

أذكر حين كانت ثورة يناير فى أوْجها، قبل أن تتحول إلى كرنفال يأتيه المشاهير لأجل الشو، كنتُ وقتها فى امتحانات منتصف العام بكلية الآداب، أراقب زميلى الآتى من الميدان ليؤدى امتحانه ثم يعود ليستأنف ثورة جيلنا والابتسامة ملء وجهه، سألته عن أجواء الاعتصام وكيف يواجهون الأمن، فجاوبنى: “هيه، أدينا بنحاول مانبطلش ضحك”. جاء الرد بتلقائية كعادة الردود الصادقة دائمًا، فالمصرى على مر التاريخ هو مَن جعل الحكام يتتعتعون ويصدرون القرارات فقط من أجل ضحكته، التى رأوا أن قوتها خَليقة بأن تزعزع عروشهم الوثيرة؛ ففى الحملة الفرنسية -مثلًا- أصدر نابليون قرارًا بمعاقبة مَن يضحك على النكات الساخرة منه! وعند هزيمة ٦٧ ردد المصريون: “قولوا لعين الشمس ما تحماشى لحسن جيش عبد الناصر راجع ماشى”، وغيرها من النكات التى جعلت عبد الناصر يوجه خطابًا لشعبه يدعوهم فيه إلى الكف عن السخرية!

ما من شك أن الضحك حالة وحاجة إنسانية عند كل أجناس البشر، وبلغ من الشأن أن ساقه الله، جل وعلا، مع نقيضه آيةً من آيات قدرته فى الخَلق (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ)، كما جاء الضحك فى كتابه العزيز مقترنًا بدلالات الخير، ومنها الحمد (فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ)، والبشرى (وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ) (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ. ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ)، والنصرة (فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ)، وفى المقابل جاء الضحك مذمومًا فى كنايته عن سخرية الكفار (فَلَمَّا جَاءَهُم بِآيَاتِنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ)، وفى سياق إنذارهم بالفرحة الفانية المعقوبة بجزاء الآخرة (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ). والنبى محمد المبعوث رحمةً للعالمين قال: “رَوِّحوا عن النفوس فى الحين بعد الحين، فإن النفوس إذا كلَّت عميت”.

والعرب فى العصر العباسى ابتكروا ألوانًا أدبية ذات طابع ضاحك؛ كالمقامات والنوادر، حتى فى عصور الجاهلية، التى كانت تغلب عليها النظرة التشاؤمية للحياة، نجد العربى احتفى بغرض الهجاء فى الشعر مثلما احتفى بالتباكى على الأطلال، وما الهجاء إلا سخرية لاذعة من المهجو لتحقيره وإبراز نواقصه بما يثير الضحك غالبًا، صحيحٌ أنه ضحك خبيث عديم الشرف، قد نسميه بلغة عصرنا “التنمُّر”، لكنه فى النهاية ضحك كما يليق بالعقلية الجاهلية. ومن الطريف أن ابن رشد حينما عكف على ترجمة كتاب “فن الشعر” لأرسطو، وقف عاجزًا أمام كلمتى (تراجيديا- كوميديا)، إذ لم يكن العرب وقتها عرفوا فن المسرح بعد، ثم استقر فى النهاية على ترجمتهما إلى (مديح- هجاء)! فابن رشد رأى أن الكوميديا/ الملهاة هى هجاء، بالطبع ثمة خطأ فنى فى ذلك، ولكن يبدو أن عامل الضحك شكَّل نقطة تماس رآها ابن رشد قوية بين الفنين. وعلى ذِكر المسرح، الذى هو فن إغريقى فى أصله، فقد اعتمد الكوميديا شكلًا رئيسيا من أصناف الدراما به، يعالج الموضوع فى صورة من التناقضات والمبالغات لتثير الضحك وتخلق المتعة، ولم تقتصر على ذلك بل تعددت أشكالها وتطورت حتى صارت منها الكوميديا التهكمية التى قد تولد المأساة نفسها من رحمها. ومثلما أدركت الآداب العالمية جمال الضحك، اهتم بدراسته كذلك الفلاسفة وعلماء النفس، فعرّف بختر الدعابة –مثلًا- بأنها مثل كوكب ذى وجهين، يضحك وجهه الظاهر من بكاء وجهه المستتر! وأقر فرويد أن الضحك حيلة من الإنسان لتجاوز قيود الرقابة، كما توصل العلم إلى أن ضحك الإنسان من أحواله المزرية هو فى الأصل ميكانيزمات دفاعية ينتجها اللا وعى لوقاية النفس من الاكتئاب.

إذن، كل العالم يضحك، كل الآداب والفنون لا تخلو من ألوان الضحك، الإنسان نفسه -كما يقال- حيوان ضاحك، يضحك ليسعد، لينسى، ليتأقلم، ليأتلف، ليوارى سَوءات مشاعره بعضلات الضحك، يضحك ليمنح نفسه تصريحًا بالإفراج المؤقت عن طاقات مكبوتة وحسرات مؤلمة، يضحك لينقد سياسات ويُسقط أنظمة ويبنى أخرى، بل ليهدم ويبنى بشرًا مثله بالضحك.

ورغم كل ذلك تظل هناك علاقة قوية بين شعب المحروسة والضحك، علاقة من نوع خاص يزيدها الخفاء قوة، الضحك لديهم ليس مجرد لون من ألوان الفن تتذوقه بعض الفئات، ولا حاجة للتنفيس كل حين، إنما هو جزء متأصل من الذات المصرية، تناقضات المصرى فى حد ذاتها أكبر نكتة. يقول الفيلسوف الفرنسى هنرى برغسون فى كتابه “الضحك” إن الإنسان لا يستطيع أن يضحك إلا فى وجود غيره من الناس، بل يذهب إلى أبعد من ذلك فيرى استحالة اجتماع حالة الضحك مع حالة الوحدة، أو بمعنى أدق: حالة الشعور بالوحدة! وهو مذهب يقترب من الواقع ويجد صدى فى علم النفس، إذ يرى البروفيسور (ج. ليفن) أستاذ علم النفس، أن استعداد الإنسان للضحك هو مقياس لمدى انسجامه مع الجو المحيط. ولعل برغسون هنا قد وضع يده على مفتاح اللغز، فالفصيلة المصرية لا تقدر على العيش دون اتحاد وانتماء، لا تتكيف مع الانفراد ولا تسمح بالكثير من الخصوصية، نحن الذين قلنا “جنة من غير ناس ما تنداس” و”اللى مالُهش كبير يشتريله كبير”، نحن الذين نتحطم فى الغربة ويرتاح الغرباء فى بلادنا، نحن الذين قد نخسر وظائف وزيجات وعلاقات لاختلاف الفرقة السياسية أو الدينية أو حتى الرياضية التى ننتمى إليها، وإن لم نجد ما ننتمى إليه فنبحث بمنكاش عما يمكن أن ننتمى إليه، تلك الفصيلة إما أن تلتحم بأفراد سربها وتجد مجالًا تحلق فيه، فتضحك، وإما أن تموت.. تموت لأنها لم تعد تضحك، فقدت إكسير الضحك، فقدت سبب وجودها فى هذا العالم، فلماذا إذن تعيش؟!

المصريون فى رأيى هم أصحاب السبق التاريخى والفكرى فى اكتشاف معجزة الضحك، فالفراعنة أول مَن عرف الرسوم الكاريكاتيرية المُعبرة والساخرة من الحكام ومن الحياة الاجتماعية، وأحفادهم الآن يُغرقون السوشال ميديا بالمنشورات المصورة خفيفة الدم، فضلًا عن أنهم أنزلوا الضحك منزلة القداسة وجعلوه من صفات الإله، ولا مندوحة عن أنهم خصصوا إلهًا للضحك والتهريج (بس)، فإذا كان التحنيط وبناء الأهرامات من عبقريات المصريين التى ما زال العلماء متحيرين فى سرها حتى الآن، فالضحك مثلهما، من عبقريات المصريين التى لم يُكتشف سرها بعد، ولعل الضحك نفسه كان من أسرارهما، وإذا كان يوسف وهبى يقف على خشبة المسرح مُرددًا مقولة شكسبير “ما الدنيا إلا مسرح كبير”، فالفلسفة المصرية القديمة تبهرنا بمزيد من الاختزال وترى أن هذا المسرح الكبير بأبطاله وجماهيره وحواراته وصراعاته وحركاته وبنياته (إلخ).. ما هو إلا ضحكة!


بحث

ADS

تابعنا

ADS