عن ابن حبان عن ابي الدرداء ان رسول الله صل الله عليه وسلم قال ” من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فقد حيزت له الدنيا ” او كما قال صل الله عليه وسلم، حسنه الالباني.
تسعى اغلب منظمات العالم المهتمة بمجال العمران والتنمية المستدامة في المدن، الى وضع مبادرات عدة وانماط ونظريات مختلفة تهدف جميعها الي الوصول الى ان يشعر المواطن داخل مدينته بالراحة وانه قد حصل على ما يحقق رفاهيته ويؤمن له حياة كريمة.
فنجد التوجه العالمي نحو الاستدامة الحضرية Urban Sustainability يليه ظهور أفكار متعدد مثل المدن الذكيةSmart cities، المدن الخضراءGreen Cities، المدن الصالحة للعيش Livable Cities، المدن التي تدعم حركة المشاة Walkable Cities.
هذه الأمثلة من الأنماط والمبادرات العمرانية المقترحة لتحسين البيئة العمرانية بالمدن وتحقيق جودة الحياة بها تدور اغلبها في فلك تحقيق ثلاثة محاور رئيسية وهي:
الامن، الخدمات، العمل، فالمدينة التي تحقق هذه المحاور هي مدينة مثالية يسعي اغلب المواطنين او السكان اليها حيث يسعى الانسان بشكل عام الي الاستقرار في المناطق الامنة التي لا يشعر فيها بالخطر على نفسه او المقربين منه وكذلك الي الاستقرار في المناطق التي يستطيع منها الحصول على مستلزمات حياته كالماء والهواء الجيد. الخ، كذلك القدرة على العمل والإنتاج، فمنذ قديم الازل استقر المصريون حول النيل كمثال حيث المكان الآمن والخدمات المتوفرة والقدرة على العمل بالزراعة.
وفي مقارنة بين حديث رسول الله صل الله عليه وسلم وتلك المتطلبات والاهداف الرئيسية للمهتمين بالعمل على إيجاد بيئة عمرانية مستدامة سواء منظمات محلية او عالميه نجد ان:
الأمن، كأول محاور حديث رسولنا صل الله عليه وسلم هو أيضا الهدف الأول من اهداف وغايات أي مدينه مستدامه فكيف يمكن للإنسان ان يعيش في مدينه تهددها مخاطر كالحروب او التدمير وبها خطر علي حياة الافراد، فنجد ان من اهم محاور الازدهار والاستدامة الحضرية انشاء مدن صامدة امنة، كذلك نجد ان الهدف الحادي عشر من اهداف التنمية المستدامة 2030 ينص على ” جعل المدن والمستوطنات البشرية، شاملة، آمنة، مرنة، ومستدامة”.
GOAL11: Make cities and human settlements, inclusive, safe, resilient and sustainable
مما يدل على ان الامن هو العنصر الأول الحاكم لقيام أي مجتمع.
معافى في جسده او بدنه، العافية في البدن ليست فقط خلوه من الامراض ولكن أيضا تجنب اصابته بهذه الامراض، او التأثير على عافيته وجهده، فالمعافاة في البدن تشمل توفير مستشفيات وخدمات صحية، وتشمل توفير تعليم لائق يعرف من خلاله ما يضره وينفعه ويحسن من بيئته العمرانية والاقتصادية، تشمل أيضا وجود طرق ملائمه امنه لا يتعرض فيها للخطر وتشمل وجود خدمات إدارية ملائمه قريبه غير مجهدة بدنيا ونفسيا حتى يحافظ على معافاة بدنه، كما تشمل استنشاق هواء نظيف وشرب ماء نظيف.
هذه العناصر التي تحقق معافاة البدن ما هي الا الخدمات التي تحرص اهداف التنمية المستدامة ومبادرات تطوير المدن بالعالم على تحقيقها بحيث يصل الانسان الي العيش في مدينه تحقق جودة الحياة، معيشة ملائمة، سكن ملائم، هواء نظيف، ماء نظيف…. الخ.
عنده قوت يومه، العمل واحد من اهم محاور قيام أي مجتمع سليم وواحد من اهم العناصر التي تدعو الانسان للاستقرار، العمل هو أحد المحاور التي تحدد حجم الهجرة بين المدن، العمل هو قاعدة اقتصادية ملائمة، هو فرص للشباب، تقليل لمعدلات البطالة، هو تقليل لمعدل الجريمة، ومعدلات العنف، هو هدف من اهداف انشاء أي تجمع جديد مستدام، ومن اهم اهداف تطوير أي مجتمع قائم، ربط أماكن العمل بالسكن بالترفيه هو محور من محاور تحقيق جودة الحياة بالمدن.
ولن يستطيع الانسان او المواطن تحقيق ” عنده قوت يومه “بدون توافر فرص العمل، ان اهداف التنمية المستدامة 2030 تتضمن الهدف الثامن ” العمل اللائق ونمو الاقتصاد” واهداف اخري مثل الهدف الأول القضاء على الفقر والهدف الثاني القضاء على الجوع
GOAL8: Decent Work and Economic Growth
الاستدامة كفكرة سواء في عمومها او جانبها العمراني فيما يعرف بالاستدامة الحضرية هي مبدئ له أسس في ديننا الحنيف، ومرجعيات تحتاج فقط الي بحث مفصل، فهناك الكثير من الأمثلة التي تدل على ان منهج الإسلام في الحفاظ على الموارد الطبيعة واضح كمثال ما قاله ربنا عز وجل في كتابه﴿ وَاشْرَبُوا مِنْ رِّزْقِ اللهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾(البقرة:60) فهي رسالة واضحة لاستخدام المورد الطبيعي دون الاسراف واهداره وهي لب كل أفكار الاستدامة.
صدق ربنا عز وجل وصدق رسولنا عليه الصلاة والسلام، وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى، من ألف وأربعمائة سنة أخبرنا رسولنا صل الله عليه وسلم عن أسس تكوين وقيام أي مجتمع او مدينة مستدامة تحقق جودة الحياة لمواطنيها، مدينة صامدة مترابطة اجتماعيا وتستطيع القيام بمتطلباتها لسكانها، مجتمع حيوي نابض بالحياة.
أهملنا ارثنا الديني ومنهجنا الذي يحتوي على مبادرات لم يتوصل اليها الغرب الا بعد جهود مضنية من المحاولة والخطأ والتجربة، تركناها لنلهث خلف مبادرات تصدر لنا من منظمات عالمية تحاول ان تنسب لنفسها انها صاحبة تطوير الفكر الحضري وانها المسؤولة عن تحقيق الاستدامة والحفاظ علي المجتمعات، ونحن وان كنا لا نغفل جهودهم ودورهم، الا اننا يجب ان نبحث في ديننا ومنهجنا الإسلامي لنصل الي رؤيتنا لتطوير مدننا حسب عاداتنا وتقاليدنا وتعاليمنا التي ستناسب الانسان في أي مكان، لان رسالة رسولنا صل الله عليه وسلم كانت لكل البشر.
حفظ الله مصر
خبير التخطيط العمراني والمراصد الحضرية
aref_attia@yahoo.com
