للبطاطا امتلاك وتملك يبتز روحك الضعيفة ومالك القليل، وإن خضوعك لها ورضاك بتلك الحال منها ليس ضعفا، بل هو ما يمنحك القوة والثقة، والقدرة على فعل الأشياء، جميع الأشياء.. فهي الجميلة الشكل لطيفة التكوين، ليست مما يحتاج لكثرة التجارب والاختبار ليبدأ حبك لها أو تتوثق معرفتك بها، تمنحك السعادة والثقة وحب الحياة، وإنك من بعد ممارستها والتهامها ومعالجة شئونها واستسلامك لها تجد روحك الفياضة قد انتشرت في أرجاء الدنيا لا لشيء إلا لتمنح جميع الناس والأماكن والأشياء حبا من أعلى درجات الحب، ومن أقوى درجات الحب، ومن أزكي أنواع الحب، ومن أنقى أنواع الحب، ومن أرقى أنواع الحب، ويزيد حبك للأشياء كلما زاد التهامك لها وكلما أصبحت وثيقة الصلة بمعدتك، وتزداد بهجتك لا محالة كلما كانت «محروقة وملسْوعة».
تظن بائعَها من ذوي الأرحام.. من ذوي القربى، سرعان ما ترتمي في أحضانه غير عابئ بالسكين المسلول بين بنانه، وأن صلتك بهذا الرجل من أوثق الصلات، وأنك أسعد الناس إذ تخرج ما في جيبك من مال طواعية باذلا إياه له، ملبيا لندائه الحق: «يا معسلة بالأوي يا بطاطا.. يا احلى م النوجة واطعم م الشوكالاتة».. وكأنه ينظر إليك ويقول: ائتني طوعا أو كرها. فتجيبه: أتيتك طائعا جائعا.. إلى البطاطا المحروقة متطلعا.. أتيتك طائعا أبغي نصيبي.. فجد عليّ به يا طبيبي.
واعلم أنك تستطيع أن تجعل من شغفك بها وخضوعك لها نظرية تتفوق بها على دارون وأينشتاين وفيثاغورث وابن النفيس، وتستطيع أن تجعل من هذه النظرية منهج حياة.. فالحي الذي تنتشر به عربات البطاطا لا يقل جمالا عن حي الزهور في فرنسا ولا يقل أمانا عن تلك البلدة التي قال فيها العلي: {ادخلوها بسلام آمنين}، والفتيات الحسناوات جميلات الصفات عليات الذوات التي ترهق نفسك في البحث عنهن لتكون إحداهن (قسمتك ونصيبك)، ليس عليك أن تعنّي نفسك كل هذا العناء في البحث عنهن، كل ما عليك فقط هو أن تقف بجوار بائع البطاطا، وما إن تبرز إحداهن للشراء اظفر بها، نعم، اظفر بها، صدقني، فهي لا شك ذات عقل وحكمة وجمال ودلال وحشمة، بينة النجابة، للعقول سلابة، وما حداها لتلك الفعلة –شراء البطاطا– إلا أنها فتاة ذات قدر ذهبت إلى بطاطا ذات قدر.
لا بد أن تثق تمام الثقة وتتيقن كامل اليقين أن من أعلم الناس علما وأفقه الناس فقها وأسعد الناس سعادة وأجمل الناس جمالا وأطيب الناس طيبا وطيبة وأزكى الناس زكاوة هم «عشاق البطاطا».
