مواقف وأزمات

وجهات نظر , Comments Disabled

لا شك أن الامتحان الحقيقي لأى إنسان هو في الأزمات، وفي مواجهة المشاكل، والتعرض لتجارب حياتية صعبة.

فالمشاكل تعصر الإنسان حتى يبوح بكوامنه، ويظهر على حقيقته، ألا ترى كيف أن البعض إذا أصيب بمصيبة يجزع بلا حدود.. وربما يكفر بالأقدار ويلعن السماء.

والبعض الآخر ينهزم إذا خسر.

هؤلاء هم ضعاف النفوس، لأنهم يتنازلون عن مبادئهم وقيمهم مع أول صدمة، ومثل هؤلاء ليس في داخلهم إلا البصل، وحينما يعصرون في معصرة الأزمات يخرج منهم عصير البصل، وليس عصير التفاح، إن الرجال يعرفون في الشدائد والأزمات، وإن الإيمان يتبين عند الفتن.

إن ما قد يتعرض له أى شخص فى حياته من تجارب قد يحدد بشكل لا يقبل الشك كيفية تقبله للأمور المختلفة، فهو فى هذا الموقف كيف يهدأ ليعيد ترتيب أموره، أو كيف يتصرف فى موقف انفعالى، أو تحكمه لانفعلاته فى لحظة شاقة.

نعم تترك هذه التجارب أثرها فى أعماق الشخص، بل قد يتذكرها فى لحظات صفائه فيحس أنه بلع العلقم، أو أخذ شربة خروع، وأحاسيس كثيرة قد تنتابه جراء ذلك.

ولا أبالغ إذا قلت إن كل تجربة سلبية قد تعرضت لها قد أكسبتنى ثقلا، وحنكة فى التعامل مع الأمور صغيرها قبل كبيرها.

إن الغباء هو أن يدرك غيرك أنه فى قمة ذكائه وهذا يوقعه فى كثير من الحماقات التى قد يعتبرها ذكاء بينا، وكاريزما ليس لها حل، فهو شخص متورط بغبائه نازح نحو التهلكة، ساقط فى وحل الأنا.

بعد تخطى هذه المقدمة التى لا تنفصل عن الموضوع، فمنذ أكثر من عشر سنوات جاءتنى الاقدار بعمل داخل إحدى المدارس الخاصة والتى يقوم أحد نواب الوطنى بالإنفاق عليها ومتابعة أنشطتها، فهو إشراف داخلى لم أكن لأهتم به، إلا أننى داخل الفصل قابلتنى مشكلة وهو طفل فى الصف الثالث الابتدائى، عمه أحد نواب الوطنى، وكان يتصرف من منطلق سلطته، فهو مركز قوى بالمدرسة، لا يمكن لأحد المساس به، فمجرد اللمس قد يوقعك فى براثن الأسد، إلا أننى لم أكن آبه بذلك.

طبعا رائد فصل، فرحان بنفسى، ليأتينى ذلك التلميذ “النجيب جدا” ذات يوم بخطاب ممهور بكلمة “ولى أمر التلميذ”.

فحوى الخطاب باختصار “لا تضرب الولد، لا شأن لك به، ولا تأمر الأولاد بتنظيف الفصل” حيث إن ما قلته للتلاميذ، كل تلميذ ملزم بتنظيف تحت قدميه داخل “ديسكه”.

وطبعا كانت الجملة التى ذهبت بخلدى “وإلا ستكون العواقب سيئة جدا” .. وهنا انطلقت، أكتب خطابا أنا الآخر وأمهرته بتوقيعى غير المنتظر من مدرس حديث السن بالنسبة لهم “وتحياتى لكم سامح بك الشريف”.

كان يوم الخميس 30/3/2002، الجمعة والسبت طبعا إجازة، ولأننى توقعت أن ولى الأمر الذى لم أره قبلا سيأتى إلى مديرة المدرسة، فقد استعددت بالورقة معى، وفوجئت برد المديرة” انتوا بتبعتوا خطابات لبعض من غير ما تقولى، لأفاجأ برد ولى الأمر الذى لم يرسل الخطاب يكشر عن أنيابه بكلمات أمام زوجته “ولى الأمر الفعلى الذى قام بكتابة الورقة- ينطلق ليحرز أمام زوجته نقاط القوة، بعد توقيعى الذى فاجأ الجميع، وفى نهاية المقابلة كانت القبلات المزيفة التى طوقت المقابلة بالود الكاذب لوالد الطفل الذى لم يعرف شيئا عن الورقة إلا من زوجته، لأعلم خلال المقابلة بأنه مغلوب على أمره وأن زوجته هى التى بيدها القرار.. آن ..آآن..

وتحولت إلى عنتر بن شداد فقد رددت على مركز من مراكز القوى بالمدرسة، وتحدث المدرسات عنى، الرد قاسى .. العبارة مؤلمة.. تحولت أيضا لأن أكون حديث أولياء الأمور.. لم يكن ذلك طبعا ليعجبنى فكنت أتوقع الرد متى وأين؟ لا أدرى.. ولأنهم لم يكونوا ليحتملون الإهانة، فقد جعلوا من الولد الطعم الذى سيناولونه لى داخل الفصل، حيث انطلق أنفعل عليه لحركاته التى ستفسد الفصل عليّ.

لقد كنت في السابق عندما أسمع أنهم يقولون على سبيل النكتة: “إن شخصا تسابق مع نفسه فخسر السباق وأصبح الثاني..” كنت أعتبر ذلك مجرد طرفة من طرائف الظرفاء، ولكن بعد التأمل في ذلك بدا لي أن أغلب الناس هم من هذه الشاكلة، فالذي يكون آخر يوميه شرهما هو من يخسر في معركة النفس، فلا يحرز المرتبة الأولى، ومن يكون في اليوم حسن الأخلاق دمث الطبع، ولكنه في اليوم التالي يكون سيئ الأخلاق غليظ القلب، هو ممن تسابق مع نفسه وجني الخيبة والفشل.

وكذلك من كان في يومه مؤمنا متيقنا، لكن الشك أخذ يقضم يقينه في اليوم الثاني هو ممن تسابق مع نفسه فلم يحرز المرتبة الأولى، وخسر السباق. إن النفس إذا هزمت في معركة القيم والمبادئ فلن تبقى لها قائمة..

ألا ترى كيف أن البعض يترك مجتمعه الإيماني السليم، بحثا عن إشباع نزوة عابرة في وسط فاجر فاسق، غير مبال بما سيؤول إليه مصيره في الدنيا وفي الآخرة؟!

إن كل الذين يقفون مع الحق يوما، ثم ينقلبون عليه يوما آخر، هم ممن خسر المعركة أمام أهواء النفس، وفي الحقيقة فإن الإنسان في سباق دائم في ميدان الحياة: بين نفسه الأمارة بالسوء، وبين ضميره المدعوم بالعقل.. وأحيانا ينتصر هذا على ذاك، وأحيانا يحدث العكس. فمنذ الأيام الأولى لنشأة الطفل ونمو شعوره وإحساسه وفطرته من جهة، وبين رغباته من جهة أخرى.. يجد نفسه في ساحة السباق مع ما يرغب فيه من جهة، ومع ما يجب عليه أن يفعله من جهة أخرى.

وفي داخل المجتمع أيضا ينتصر للحق أولئك الذين انتصرت الفطرة في نفوسهم، كما يدافع عن الباطل أولئك الذين انتصرت الأهواء عليهم، فالحياة حلبة سباق، ومن فيها فاز ومن تأخر فيها خسر.. والفوز الحقيقي هو في تزكية النفس وتهذيبها. والخسارة الحقيقية هي خسارة الوجدان والضمير والعقل والآخرة جميعا.

ثم إن للسباق في ميادين الحياة أوجه متعددة، ولعل من أهمها السباق بين الأفراد، إما لإشباع الأهواء والرغبات والمكاسب المادية، وإما طلبا للعلم والفضيلة والطاعة والخيرات والعمل الصالح، ومن السباق يولد الصراع بين الناس، ولكن يبقى الصراع الأكبر والأشمل والأخطر للإنسان، هو صراعه مع الشيطان، فمن هذا الصراع تتفرع كل الصراعات الأخرى في الحياة العامة.

وغلبة الإنسان في صراعه مع إبليس ستمنحه البصيرة الكافية لمعرفة الطريق الذي ينبغي السير فيه من أجل الخير ومواجهة الشر.

 


بحث

ADS

تابعنا

ADS