يجب أن نفرق بين الآراء والإنتاج الفقهى أو الفكرى للعلماء القدامى (تراث الأشخاص)، والعلوم الدينية المنهجية التى وُضعت بالأساس لضبط هذه الآراء، وحمايتها من الانحراف والتطرف (تراث المنهجية العلمية).
وهذا لا يعنى أن تلك الضوابط معصومة وقطعية، بل هى جهد بشرى عبقرى، فى محاولة لوضع ضوابط ومعايير لتمييز الصحيح من الخاطئ، ووجود مقياس يَحْكُم العالِم أو الفقيه فى استنباطه للأحكام حتى لا يَزِلّ.. وبقدر قوة هذه الضوابط، ومدى التزام العالِم بها، تكون أقواله أقرب إلى مقاصد الشريعة ومراد الشارع.
والمدقق فى تلك المسألة يرى بوضوح أن الغالبية العظمى من الفِرق أو الآراء الدينية التى شذت وانحرفت وتطرفت فى خطابها الدينى، كان بسبب عدم إلمام أصحابها بتلك العلوم الدينية الضابطة لأفكارهم من الانحراف، كما نرى عند فرقة الخوارج مثلاً الذين لم يبالوا بتلك الضوابط التى وضعها العلماء لاستنباط الأحكام من القرآن والسنة، وأخذوا يستنبطون مباشرة دون ضابط ولا رابط، فكفروا المسلمين وأباحوا الدماء!، ونجد ذلك أيضًا عند كثير من المُحَدِّثين (أهل الحديث) الذين تجاوزوا مناط علمهم (البحث فى سند الحديث)، فتصدروا للإفتاء مِن غير امتلاك أدواته، فضَلّوا وأضلوا!
وهذه الحاجة عمومًا إلى وجود علم يضبط العقل عن الانحراف فى التفكير ويساعد على تمييز الصحيح من الفاسد.. هو ما تَنَبَّه إليه الفيلسوف الكبير “أرسطو”، فأنشأ علم “المنطق” الذى أحدث طفرة عظيمة للبشرية فى مجال التفكير العلمى، وكان ذلك سببًا فى إطلاق لقب “المعلم الأول” عليه.
وجاء فى الموسوعة الفلسفية لـ”جوناثان رى”: “المنطق هو نظرية الشروط التى يجب أن تتوافر للاستنتاج الصحيح… وليس مِن اليسير علينا أن نفسر ما نعنيه بالاستنتاج المقبول، وأصعب من ذلك أن نضع القواعد التى تميز الاستنتاجات السليمة من الاستنتاجات الفاسدة، ومِن واجبات المنطق أن يزودنا بطريقة منظمة للقيام بتلك التمييزات”.
وجاء فى موضع آخر من نفس الموسوعة: “والإلمام بالمنطق شرط مبدئى لطالب أى موضوع, وقد انعكست هذه النظرة إلى المنطق على الاسم المأثور لمؤلفات أرسطو المنطقية وهو (الأورجانون) أى الأداة أو الوسيلة…”.
إذن علم المنطق هو أداة ووسيلة لا بد منها لضبط الفكر وحمايته من الاستنباط الخاطئ، وقد أنشأ أرسطو هذا العلم لما رآه من فوضى فكرية تعم البشر، فحاول أن يضع معيارًا ضابطًا حاكمًا.
ويبدو أن علماء المسلمين قد التقطوا هذا الخيط من منطق أرسطو الذى نما وترعرع ونضج عند فلاسفة المسلمين وعلماء الكلام وأصول الفقه.. وحاولوا أن يضعوا معايير وضوابط، ولكن لشىء أخطر وأدق: ضوابط ثبوت وصحة النص الشرعى أولاً، وضوابط استنباط الأحكام من تلك النصوص، ثانيًا.
ولأبَسِّط فكرة العلوم الإسلامية لدى القارئ غير المتخصص، رسمتُ المخطط التالى، الذى يوضح خريطة العلوم الإسلامية الأساسية، وارتباطها ببعضها، والغاية أو الثمرة منها.. وتوضيح ذلك كالتالى:

أولاً: المربع الكبير بكل ما فيه من علوم تحيط بمصدرى التشريع الأساسيين (القرآن والسنة)، يمكن أن نسميها علوم الأداة أو الوسيلة أو الضوابط. إذن فتلك العلوم تشبه فى وظيفتها علم المنطق الذى هو أداة ووسيلة للوصول إلى الاستنتاج العقلى السليم والتطبيق الصحيح.
وهذه العلوم الضوابط منها علوم خادمة للقرآن فقط –كما هو موضح- ومنها ما يخدم “السنة” فقط، ومنها ما يخدم كليهما معًا. وينبغى الإشارة إلى أن كل علم منها انبثق عنه عدد آخر من العلوم، ولكن اكتفيت هنا بذكر هذه العلوم الأساسية الشاملة.
ثانيًا: العلوم الثلاثة الخارجة من المربع الكبير، يمكن أن نسميها علوم الثمرة أو الغاية أو التطبيق العملى للشرع بجوانبه الثلاثة، الفقه والعقيدة والتزكية.
ويفترض أن لا يتصدر أحد بالإفتاء فى أحد هذه العلوم الثلاثة إلا بعد التمكن والإحاطة بكل علوم الأدوات الضابطة.. وعدم الالتزام بتلك الضوابط هو الذى أحدث الخلل والانحراف الذى نجده فى تراث عدد من الفقهاء أو علماء الكلام أو المتصوفة.
ثالثًا: الأصل أن المسلمين الأوائل أيام النبى والخلفاء الراشدين، كانوا يستنبطون أحكامهم (بجوانبها الثلاثة: الفقه والعقيدة والتزكية) مباشرة من القرآن ومن النبى الذى أمره الله وكلفه بوظيفة تبيين أحكام الله: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}.
أى أن تلك العلوم الثلاثة فى الشكل التوضيحى السابق، كانت تُستنبط مباشرة من مصدرها الأصلى (القرآن والسنة) دون وجود لكل تلك العلوم الضابطة والحاكمة التى نشأت فى فترة متأخرة..
فالمتأمل للقرآن الكريم يدرك أنه يمكن تصنيف كل آياته فى هذه الجوانب الثلاثة:
- الفقه: وهو عبارة عن الأحكام العملية والتكاليف التى أمر الله بها، مثل (العبادات: الصلاة والصوم والزكاة والحج، والمعاملات: الزواج والطلاق والبع والشراء، والحدود والعقوبات والمحرمات…) إلى آخر تلك الأحكام الفقهية.
- العقيدة وعلم الكلام: وهذا الجانب يتعلق بالأحكام النظرية الاعتقادية حول الإيمان بالله وتوحيده وصفاته، وملائكته وكتبه واليوم الآخر والبعث والحساب والجنة والنار وقضايا الكفر والإيمان… إلخ.
وهذا الجانب يتعلق به شِقان: أولاً الإيمان والتسليم بتلك الأمور الاعتقادية، والشق الثانى: الدفاع والحجاج عن تلك الاعتقادات وإثباتها بالأدلة لمنكريها وإقناعهم بها، وكل هذا موجود فى آيات القرآن. (وفى هذا تفصيل كبير سيأتى فى حينه عند التحدث عن نشأة علم الكلام فى مقال مستقل).
- التزكية والأخلاق: وهذا هو الجانب الأكبر والمستغرق لمعظم آيات القرآن، حيث هو الغاية والهدف الأساسى من الدين: تزكية النفس وتطهيرها، والتحلِّى بالأخلاق الحميدة، والتخلِّى عن كل خلق مذموم، لإعداد إنسان صالح فى مجتمعه، يقوم بواجب العمارة فى الأرض التى كلفه الله بها.
رابعًا: علوم الوسائل أو الأدوات الضابطة، بالطبع جاءت متأخرة فى النشأة عن علوم الثمرة، وكل علم منها كان هناك سبب استدعى نشوءه، وسيتضح ذلك عند الحديث عن كل علم منها فى مقالات مقبلة.
ولكن إجمالاً: بعد انقضاء عصر النبى والصحابة، وابتعاد الناس زَمَنًا وفهمًا عن عصر الرسالة، وانتشار الإسلام فى جميع أنحاء العالم واختلاطه بكل الحضارات والأمم والثقافات، وكذلك حدوث خلافات سياسية كبيرة أدت إلى ظهور الفرق… كل ذلك أدى إلى حدوث فوضى فكرية عارمة نتيجة تفاوت الأفهام والعقول فى استنباط الأحكام من القرآن، كما حدثت مشكلة خطيرة للغاية بالافتراء على النبى ونسبة أحاديث إليه، كلٌ حسب مصلحته السياسية أو خدمة لفرقته وطائفته ومذهبه، فكثر الوضْع والكذب فى الحديث، وأصبح من العسير التفرقة بين الحديث المنسوب إلى النبى حقا، والمكذوب عليه..
كل ذلك أدى إلى نشوء عدد من العلوم العبقرية والفريدة فى تاريخ الفكر الإنسانى، مثل علوم الحديث بكل فروعها، سعيًا إلى ضبط هذا التراث النبوى وتنقيته، وتوضيح مرتبة كل حديث، وهل هو قطعى الثبوت أم ظنى، ومدى حجية الاستدلال به فى قضايا العقيدة أو الفقه أو الأخلاق… إلخ.
خامسًا: هذه العلوم الضابطة هى التى تحافظ على الفكر الدينى من الانحراف أو الخلل، كما يفعل منطق أرسطو للفكر الإنسانى. ومِن عبقرية هذه العلوم أنها تعبر عن عمل جماعى تراكمى لمئات العلماء على مر قرون، وليس عملا فرديًّا، وهذا أسهم فى إنضاج علوم الثمرة أيضًا.
كما أن تلك العلوم لم تظل ثابتة جامدة، بل كانت بشكل دورى تراكمى تتعرض للإصلاح والتنقيح والتجديد، وتبعًا لذلك كان يحدث تجديد للخطاب الدينى بما يوافق العصر، وينضبط بمقاصد الشريعة.. ولكن للأسف منذ عدة قرون حدث جمود فكرى عام للمسلمين، وأصبح التقليد هو دَيْدَن العلماء، وانحسر الاجتهاد والمجتهدون، فأصاب الفكرَ الدينى العَطَبُ ولم يستطع أن يواجه متطلبات العصر وسنة الله فى التغيير..
وأكاد أجزم أنه إذا أردنا أن نُصلح ونجدد الفكر الدينى، فلا سبيل إلا أن نبدأ أولاً من هذه العلوم الضوابط والأدوات، فنستوعبها استيعابًا كاملا، ونُحْييها ونجددها، فذلك ينبنى عليه تجديد الفكر الدينى كله المتمثل فى جوانبه الثلاثة السابق ذكرها (فقه – عقيدة – تزكية)، وهذا لن يحدث إلا بإلمام كبير بكل هذا التراث الغنى، وكذلك الإلمام بالواقع والعصر، ثم إعادة بناء وتجديد تلك العلوم الضابطة.. ومِن هنا تبدأ خطوات التجديد.. وإلا فالفوضى الفكرية والرجعية “الداعشية”.
هوامش
مقاصد الشريعة
هى من أهم العلوم الإسلامية التى تتناول الأحكام الفقهية فى إطار مقاصد الشريعة الإسلامية وغاياتها، فتفتح الباب واسعًا للاجتهاد والتيسير بما يتوافق مع مصالح الناس. وفى هذا يقول ابن القيم: إذا وجدت المصلحة فثم شرع الله. وعرفها عَلَّال الفاسى بأنها: الغاية من الشريعة والأسرار التى وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها.
أهل الحديث
هم العلماء الذين تخصصوا فى دراسة الأحاديث النبوية. ومع إلمامهم الكبير بالأحاديث وأسانيدها، إلا أنهم لا يصلحون للإفتاء؛ لأن بضاعتهم فى علوم القرآن والفقه وأصول الفقه قليلة. وقد استفاض فى تأكيد هذا المعنى الشيخ محمد الغزالى فى كتابه الفريد “السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث”.
