أرسطو: “لن يُفلح قومٌ ولوا أمرهم امرأة”!

وجهات نظر , Comments Disabled

“المرأة أدنى من الرجل وأقل من حيث القدرة العقلية؛ إذ يطغى عليها الجانب الجسدى أو جانب الانفعالات والشهوات، فهى أقرب إلى العبد.. كما أنها أضعف من الرجل فى قدراتها العامة، ولهذا كان الرجل هو الأعلى والأسمى والأرقى، وهو الذى يحكم فى المنزل أولاً، وعلى المرأة السمع والطاعة، وهو الذى يحكم فى الدولة ثانيًا، وعلى المرأة أن تبقى بعيدًا عن ضجيج السياسة، وأن تلوذ بالصمت الذى هو زينتها وتاجها”.

أتوقع أن يظن القارئ لأول وهلة أن هذا النص مقتبس مِن كتب التراث الإسلامى لأحد الفقهاء أو العلماء المسلمين القدامى، خصوصًا أن هذه الجريدة المحترمة حَمَلتْ على عاتقها مسؤولية التنوير وتجديد الفكر الدينى وانتشاله من الماضى السحيق الذى يعيش فيه مشايخ اليوم.

لكن سيُفاجأ الكثيرون حينما يعرفوا أن هذا النص المقتبس هو من كلام الفيلسوف والمعلم الأول “أرسطو”!، فهذا هو جزء من كلامه عن المرأة، نقلاً عن كتاب “أرسطو والمرأة” للدكتور إمام عبد الفتاح إمام، ناهيك عن رأيه أيضا فى قضية “العبودية” حيث يرى أن وجود العبيد أمر لا غِنى عنه فى المجتمع، ووصف نظام العبودية بالنموذجى والرائع لمصلحة السيد والعبد نفسه!

هذا النص وغيره كثير، لو قرأه هذه الأيام أحد متصدرى الدعوة إلى التنوير، منسوبًا إلى أحد الفقهاء القدامى، ومنصوصًا عليه فى أحد كتب التراث.. لملأ الدنيا ضجيجًا وانهال عليه سبًّا وشتمًا وتجريحًا، ولدعى إلى القضاء على تراث هذا الجاهل عدو المرأة والحرية والإنسانية…إلخ، ولكن ما هو رأى أوروبا نفسها وفلاسفة الغرب فى تراث فيلسوف البشرية “أرسطو”؟

غَنىٌّ عن الذكر توضيح رأى فلاسفة العالم أجمع شرقيين وغربيين فى مكانة وقدر “أرسطو”، وقد عَبّر عن هذه المكانة الرفيعة الفيلسوف “ول ديورانت”، فقال: “لقد كانت أعمال أرسطو بالنسبة إلى الفلسفة الأوروبية بمثابة الإنجيل للدين، واعتبرت نصوصها منزهة عن الخطأ والزلل، وحلا لكل مشكلة…”.

فيلسوف يونانى آخر، لا يقل تأثيرًا وشهرة عن أرسطو، هو “أفلاطون”، أقتبس هنا نص كلام الفيلسوف “برتراند رسل” فى أثناء حديثه عن جمهورية أفلاطون أو مدينته الفاضلة التى اشتهر بها على مر التاريخ، يقول: “ينبغى أن تكون الأمهات بين العشرين والأربعين، وأن يكون الآباء بين خمسة وعشرين وخمسة وخمسين، أما فيما عدا ذلك من الأعمار فيكون مصير الأطفال القتل إجباريًّا بقوة الدولة.. أما الأبناء الشرعيون فتأخذهم الدولة جميعًا من والديهم ساعة ميلادهم، ويجب اتخاذ الحيطة العظيمة حتى لا يعرف والد ولدَه (لتربيهم الدولة فى مدارسها)، والأطفال المشوهون أو المولودون من أبوين ناقصين فى ملكاتهم، يتم قتلهم أو إلقاؤهم فى مكان مجهول، فذلك ما ينبغى فعله إزاءهم”!

والنص واضح فى قسوته ودمويته، ولا يحتاج إلى التعليق.

وغَنىّ عن الذكر أيضًا توضيح مدى التبجيل والتعظيم والإجلال لتراث هذا الفيلسوف الكبير “أفلاطون”، فلن تجد فيلسوفًا غربيًّا يسىء إليه ويطالب بإحراق تراثه وحذفه من ذاكرة الأمة الأوروبية!

ولكن هل هذا الاحترام لذلك التراث والاعتزاز به يعنى بالضرورة الموافقة على كل ما جاء فيه وتقديسه وعدم مناقشته وتخطيئه؟، الإجابة قطعًا “لا”، ففلاسفة أوروبا على مدى العصور يتعرضون لهذه الأفكار مناقشة وتصويبًا وتنقيحًا، ولكن بأدب وعلم وأخلاق “الكبار”، وليس بحماقة وطيش وطول لسان “الصغار”.

ومن ناحية أخرى، هل لأن هؤلاء الفلاسفة العِظام جاؤوا فأفكار وآراء نعتبرها اليوم سيئة ورجعية وخاطئة، فنهدم بالتالى كل تراثهم وعلمهم وعطائهم الفكرى للبشرية؟!، الإجابة قطعًا “لا”، فلا يخلو أى مفكر على مر التاريخ من آراء كارثية، وأخطاء فكرية، وكلهم بشر يصيبون ويخطئون، ويُؤخذ من كلامهم ويُترك…

ولكن لماذا تلك المقدمة الطويلة؟ وما الذى تريد أن تصل إليه؟ وهل تدعو إلى تقديس التراث الفكرى الإسلامى وعدم المساس به؟ وهل التراث الفكرى للمسلمين هو سبب أزمتنا الفكرية التى يعيشها مجتمعنا عمومًا و”نخبتنا” و”مشايخنا” و”أزهرنا” خصوصًا؟ أم أن الجمود الفكرى الحالى يرجع سببه إلى ابتعادنا عن تراثنا الفكرى المتمثل فى “العلوم الإسلامية”؟ وما الفرق بين “تراث الأشخاص” وتراث “العلوم الإسلامية”؟

إجابة كل هذه التساؤلات هو محور موضوعات المقالات القادمة.. فتابعونا.

 

 

هوامش

إمام عبد الفتاح إمام

أستاذ الفلسفة بكلية الآداب جامعة عين شمس. نال درجة الدكتوراه عن موضوع “تطور الجدل بعد هيجل” بمرتبة الشرف الأولى عام 1972. وهو أحد أبرز تلاميذ الفيلسوف المصرى زكى نجيب محمود.

 

وِل ديورانت

1885) – 1981) فيلسوف ومؤرخ وكاتب أمريكى. من أشهر مؤلفاته كتاب قصة الحضارة، الذى شاركته زوجته أريل ديورانت فى تأليفه.


بحث

ADS

تابعنا

ADS