شعراء الروائع وروائع الشعراء «1»

وجهات نظر , Comments Disabled

يتفاوت التذوق الأدبي عند الناس للنصوص الشعرية بحسب الحالة النفسية والوجدانية للمتذوق، ولكن لا ريب أن القصائد الرائعة والاستعداد الفطري والموهبة والمَلَكة الشعرية التي تُوهبُ لشاعر بعينه، ويحسنُ مع ذلك استخدام أدواته ويتمكن منها، وأيضا حسن اطلاعه على التراث، والإلمام بثروة لغوية .. كل ذلك لا بد أن يصب في محيط الإبداع .. ويظهر جليا في إبداع الشاعر الذي يحاول نقل إحساسه إلى الآخرين .. ويستطيع القارئ أو المتلقي أن يلمس مدى تمكن الشاعر ويقيس موهبته من خلال إبداع الشاعر في قصائده .. ورغم أن مسألة توفيق الشاعر في قصائده ليس على وتيرة واحدة .. حيث قد يبدع في قصائد ويخفق في قصائد أخرى .. ومن هنا تظهر الأدوات الشعرية التي يستطيع الشاعر أن يمتطي متنها ويمسك باللجام ويطلق لها العنان لتصل به إلى بر أمان الإبداع .. والقصائد الجميلة تجذب المتلقي وتسلبه عقله وجنانه .. وأحب أن أبدا بقصيدة لشاعر الحب والسياسة  نزار قباني إذ يقول على وزن بحر المتقارب: في قصيدته ( صباحُكِ سكّر ).. وهي القصيدة الثالثة في ديوانه ( الرسم بالكلمات ) .

 

إذا مرّ يومٌ ولم أتذكر .. بهِ أن أقول صباحك سكر

ورحتُ أخطُّ كطفلٍ صغيرٍ .. كلاما غريبا على وجه دفتر

فلا تضجري من ذهولي وصمتي .. ولا تحسبي أن شيئا تغير

فحين أنا لا أقول أحبُّ .. فمعناهُ أني أحبكِ أكثر

إذا جئتِني ذات يومٍ بثوبٍ ..كعشب البحيرات أخضر أخضرْ

وشعرُك ملقًى على كتفيكِ .. كبحرٍ .. كأبعاد ليلٍ مبعثرْ

ونهدُك تحت ارتفاف القميص .. شهيٌّ ..شهيٌّ كطعنة خنجرْ

ورحتُ أعبُّ دخاني بعمقٍ .. وأرشف حبر دواتي وأسكرْ

فلا تنعتي بموت الشعور .. ولا تحسبي أن قلبي تحجرْ

فبالوهمِ أخلُقُ منكِ إلٰهًا .. وأجعل نهدك .. قطعةَ جوهرْ

وبالوهم أزرع شعرَك دِفْلى .. وقمحًا .. ولوْزًا .. وغاباتِ زعترْ

إذا ما جلستِ طويلا أمامي .. كمملكةٍ من عبيرٍ ومرمرْ

وأغمضْتُ عن طيّباتك عيني .. وأهملتُ شكوى القميصِ المعطّر

فلا تحسبي أنني لا أراك .. فبعض المواضِع بالذهن يُبصرْ

ففي الظلِّ يغدو لعطرِكِ صوتٌ .. وتصبح أبعادُ عينبك أكبرْ

أحبك فوق المحبة لكن .. دعيني أراكِ كما أتصوّرْ

نلاحظ أن نزارا يقول كلاما سهلا جدا على وزن بحر رائع ماتع جدا وهو بحر المتقارب الذي وزنه «فعولن فعولن فعولن فعولن  .. فعولن فعولن فعولن فعولن» وهو من البحور الشعرية الرائعة الذي يستطيع فيه الشاعر الوقوف على متحرك فيبدع فيه أيما إبداع .. كما أن نزارا لم يبذل جهدا في هذا الإبداع لأن استعداده الفطري وموهبته الشعرية وتمكنه من أدواته كل ذلك ساعده بشدة في أن يخرج لنا هذا الإبداع السهل جدا عليه  الممتنع على غيره .. من ذا الذي لا يقرأ هذه القصيدة ولا يعجب بها بل من ذا الذي تطاوعه نفسه ولا تجرفه نحو قراءتها مرات عدة حتى يحفظها؛ لسهولتها وروعتها وصدقها الفني.. إن الإيمان بنظرية موت المؤلف تجعلنا نقف أمام هذا الإبداع دقيقة ليست حدادا إنما دقيقة للتأمل بل دقيقة إعجاب وافتتان بهذا الإبداع .. كما أن الإيمان بنظرية مراعاة الحالة النفسية للشاعر والإلمام بالظروف البيئة والاجتماعية التي نمت بها مشاعره وحروفه تجعلنا نغفر له استخدامه لبعض الألفاظ التي يراها البعض ( خادشة للحياء ) .. كما أن الشاعر وظّف حروفه توظيفا كأبعاد ليل مبعثر ..وعندما ننتقل إلى قثيدة أخرى من نفس الديوان السابق وهي قصيدة الديوان وهي ( الرسم بالكلمات ) نرى عبقرية الشاعر الفذة وقدرته الفائقة على رسم لوحة فنية رائعة بكلمات سهلة عذبة بسيطة، وبتراكيب وأساليب عربية كأنها أنهارٌ من عسل مصفّى لا يرتوي قارئها من لذّتها ..

وإليكم القصيدة .. وهي على وزن بحر الكامل التام ( متفاعلن متفاعلن متفاعلن .. متفاعلن متفاعلن متفاعلن ).

الرسم بالكلمات

لا تطلبي مني حساب حياتي .. إن الحديث يطول يا مولاتي

كل العصور أنا بها فكأنما .. عمري ملايينٌ من السنوات

تعبتْ من السفر الطويل حقائبي .. وتعبتُ من خيلي ومن غزواتي

……

واليوم أجلس فوق سطح سفينتي ..كاللص أبحث عن طريق نجاتي

وأُديرُ مفتاح الحريم فلا أرى .. في الظل غيرَ جماجم الأموات

أين السبايا؟ أين ما ملكت يدي ؟ .. أين البخور يضوع من حجراتي؟

اليوم تنتقم النهود لنفسها .. وترد لي الطعنات بالطعنات

مأساة هارون الرشيد مريرة .. لو تدركين مرارة المأساة

إني كمصباح الطريق صديقتي ..أبكي ولا أحدٌ يرى دمعاتي

الجنس كان مسكنا جرّبته .. لم ينهِ أحزاني ولا أزماتي

والحب أصبح كله متشتبها .. كتشابه الأوراق في الغابات

أنا عاجزٌ عن عشق أية نملةٍ .. أو غيمة عن عشق أي حصاة

مارستُ ألف عبادة وعبادة ..فوجدت أفضلها عبادة ذاتي

فمُك المطيّب لا يحل قضيّتي .. فقضيتي في دفتري ودواتي

كل الدروب أمامنا مسدودة .. وخلاصنا في الرسم بالكلمات

بغض النظر عن الأبيات الأربعة التي أهملتها ولم أذكرها عمدا لتجاوز الشاعر من وجهة نظري وإفراطه في استخدام ألفاظ خادشة للحياء وتشبيهه لسحر شعره ومساواته بسحر كلام الله في التوراة .. فإن الشاعر مبدع إلى حد بعيد ومن لا يرى ذلك فهو وشأنه .. فالشاعر مجدد في صوره وأخيلته.. استطاع أن يركب متن القصيدة العمودية ويطلق لها العنان فأخذته فوق الغمام واحتضنته فلم يخيّب آمالها .. وكساها أحلى ألفاظه .. واستأمنته القصيدة العمودية على بحور الخليل فلم يخنها وجعل يرقص طربا على نغمات بحر الكامل، ومن يقرأ القصيدة بتأمل ستمنحه وتجود بما تكتنزه من لآلىء في صدفها ..

نزار قباني هو الشاعر الذي وقف ثائرا وناصر الضاد واهلها أكثر من بعض رجال الدين حقا إنه شاعر الحب والسياسة.

 


بحث

ADS

تابعنا

ADS