خطبة الجمعة

وجهات نظر , Comments Disabled

يقول الحق تبارك وتعالى في سورة الجمعة  «يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (٩)»، فيوم الجمعة هو من أحب الأيام عند الله تعالى وله خصوصية عنده حيث فيه خلق الله آدم وفيه أدخله الجنة وفيه أخرجه منها وفيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن إلا استجيب له، كما أنزل الله سورة باسم هذا اليوم وهي سورة الجمعة، وللجمعة آداب ومنها: الاغتسال والنظافة والتطيب، ولبس الملابس الحسنة النظيفة لقوله تعالى «خذوا زينتكم عند كل مسجد» والتبكير للمسجد وقراءة سورة الكهف والإكثار من الصلاة على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والجلوس في هدوء وسكينة وخشوع، والاستماع إلى الخطيب في انتباه وتركيز فلا يجب اللغو أثناء الخطبة لقوله صلى الله عليه وسلم  في الصحيحين عن أبي هريرة (رضي الله عنه) أن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال: ” إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة والإمام يخطب أنصت فقد لغوت ” ويقول فضيلة  الإمام محمد سيد طنطاوي (رحمه الله ) في كتاب (نماذج من خطب الجمعة الجزء الأول الطبعة الأولى ١٤٢١هجرية_٢٠٠١ميلادية طبعة دار السعادة صفحة ٤وه)  إن خطبة الجمعة يراد منها التفقه في الدين، والحديث النبوي الشريف الصحيح يقول فيه النبي ( صلى الله عليه وسلم :” من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ” . ويراد منها التزود بالعلم النافع، وحديث القرآن الكريم عن العلم وعن العلماء مستفيض، ويكفي قوله تعالى ” فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما”، ويراد منها التذكير بما يشرح الصدور، ويرقق القلوب، ويطهر النفوس، ويعيد إلى المشاعر والعقول صفاءها ونقاءها بعد أن ظلت لمدة أسبوع وهي مشغولة بمطالب الحياة، ويراد منها  اجتماع المسلمين على طاعة الله تعالى، وعلى تجديد الإخاء الصادق، والتعاون الكريم بين أبناء الأمة التي يقول كتابها ” وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان “.

.. فهكذا نرى أن يوم الجمعة هو يوم عيد للمسلمين، وأنا كشاب عندما أذهب إلى الجمعة لأشارك أخوتي المسلمين في عيدنا الأسبوعي أنتظر من خطيب الجمعة ما أنتظره من الخطيب في العيدين : الفطر والأضحى، وهو إدخال السرور على قلوب المسلمين، وتذكيرهم بما يرقق مشاعرهم، واستخدام أسلوب الترغيب والترهيب، وتدعيم خطبته بالأدلة الشرعية النقلية من الكتاب والسنة المطهرة وأقوال الفقهاء وما اجتمع عليه الأئمة والعلماء، وأن تخلو خطبته من أي خطاب يدعو للكراهية أو العنف أو تسبب أي فتن، ولا يتحدث في أمور يختلف فيها أو حولها  الناس،  وأن يتحدث بأسلوب بليغ وسهل يراعي في خطبته أنه يجلس أمامه المتعلم وغير المتعلم، والكبير والصغير، فيجب أن يخاطب الناس بقدر ثقافتهم، وينوع صوته بما يتناسب مع المعنى المقصود ؛ لتصل فكرته بسهولة ووضوح للجميع، وأنتظر من الخطيب أن يراعي المناسبات ويحدثهم عن أدق التفاصيل، بغير إيجاز مخل أو إطناب ممل، فلا يجب أن يفوت المناسبات؛ فإنها تكون فرصة طيبة لتعليم الصغار الدروس المستفادة منها، فمثلا في غزوة بدر أو غزوة أحد أو الهجرة النبوية.

وهذه المناسبات الطيبة يهملها بعض الخطباء فقد ذهبت إلى الجمعة في وقفة عرفات، وبدلا من أن يذكرنا الخطيب ببركة صوم يوم عرفة، ويدخل الفرحة على قلوبنا بفرحة عيد الأضحى، تحدث في أمور أخرى والله كانت أقل أهمية، ولذلك فالمناسبات مهمة لتذكير الناس بها وبتاريخنا الإسلامي المشرف، وأيضا عليه أن يتطرق إلى ما يشغل الناس في أمور دنياهم وحياتهم، ويحثهم على أهمية العمل، ويتحدث عن العدل وأهمية تطبيقه، وعن التراحم  بين الناس، والتعاون  على البر والتقوى، وأن يرقق مشاعر الناس وتدعيم خطبته بأشعار الزهد والحكمة لفحول الشعراء، فالخطيب يجب أن يكون موسوعة علمية وفقهية أخذ من كل علم بطرف، وأتمنى أن تكون له مساحة من الحرية لكي يتحدث فيما يشغل بال الناس من غلاء للأسعار وكبت للحريات، وتدهور أخلاق المجتمع، ويقارن ما بين أيامنا وأيام الرسول صلى الله عليه وسلم وأيام الصحابة والتابعين، ويدعم ذلك أيضا بالقصص القرآنية، ونماذج من حياة الصحابة والتابعين والصالحين، ويركز على الجانب الأخلاقي، ويعمل لما فيه صالح المجتمع، ويحسن الاستشهاد لكل موضع ويستطيع توظيف الأدلة والشواهد ولا يكون كما قال الشاعر :

كالعيس في البيداء يقتلها الظما

والماء فوق ظهورها محمول

وأخيرا أنتظر منه أن تجذب الخطبة انتباه السامعين وتشوقهم، وذلك بتنويع خطبته بالأساليب الخبرية والإنشائية التي تفيد تقرير الحقائق ووصفها، ولجذب انتباه السامعين، فيخوفهم من النار ويشوقهم إلى الجنة، وألا يسير في خطبته بخطى ثابتة، وتكون خطبته مركزة وقوية، ولا ينشغل أو يثير الموضوعات التي يختلف حولها الناس سياسيا وتؤدي لانقسام الأمة وإثارة الفتن والقلاقل إلا إذا كانت لديه القدرة على الإمساك بزمام خطبته، ويستطيع أن يصل بها إلى الوصول إلى بر الأمان وهو بر الصالح العام لا الخاص، وتكون خطبته واقعية مطلية بماء الحكمة والعدل والإنصاف، وأن يكون حكيما، وقد قال تعالى في سورة البقرة : “يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب”.

 


بحث

ADS

تابعنا

ADS