إحياء التراث الإسلامى «الحقيقى» هو الحل

وجهات نظر , Comments Disabled

لا توجد أمّة فى الدنيا تحتقر ماضيها وتسىء لتراثها وتسعى إلى محوه من ذاكرة التاريخ… وأيضا لا توجد أمّة لا تتناول تراثها بالنقد والتنقيح والتطوير والتجديد، سعيًا للتقدم ومواكبة للعصر. فالمعادلة التى يجب تحقيقها هى الاعتزاز بالتراث الفكرى, وفى نفس الوقت عرضه على واقع العصر الجديد والبناء عليه وتجديده.

ونجد هذه النظرة إلى تراث الماضين واضحة فى فلسفة “هيجل” أحد أعظم فلاسفة أوروبا فى القرن التاسع عشر، وقد لخص هذه الفكرة “جوستاين غاردر”، فقال مُعبرًا عن فلسفة هيجل: “لا يمكن أن نُخرج أفكارًا مختلفة –من أفكار العصور القديمة أو العصور الوسطى أو عصور التنوير– من سياقها التاريخى، ونرتبها قائلين: هذا صح وهذا خطأ… وكقاعدة عامة، لا يمكن فصل أى فيلسوف أو أى فكرة –أيًّا تكن– عن سياقها التاريخى… وطالما أن جديدًا يحصل دائمًا، إذن فالعقل تقدمى، أى أن معرفة الإنسان فى تطور مستمر، ومن هذه الزاوية نرى أنها تتجه دائمًا إلى الأمام”.

لا يستطيع أحد إنكار الوضع الفكرى المتردى الذى عمَّ مجتمعنا فى جميع النواحى، ومنها بالتأكيد الفكر الدينى، الذى جمد وتحجر وافتقد للتجديد منذ قرون طويلة، حيث أصبحت أحكامنا وفتاوانا الفقهية، مستمدة من أقوال فقهاء منذ مئات السنين، دون اعتبار لواقع متغير مختلف تمامًا.

وهذا يتنافى مع القواعد الفقهية التى قررها الفقهاء والأصوليون أنفسهم, لكل مَن يتصدر للفتوى فى الأمور الشرعية، فقالوا إن الفتوى تتغير بتغير “الزمان” و”المكان” و”حالة الشخص المستفتِى”.. والمثال الواضح على ذلك أن الإمام الشافعى قد غير مذهبه الفقهى كله, عندما انتقل من العراق إلى مصر، حتى أصبح له فى كتب الفقه لكل مسألة رأيان، فيُقال هذا رأى الشافعى فى القديم “العراق”، وهذا مذهب الشافعى فى الجديد “مصر”.. هذا عالِم واحد انتقل من بلد إلى آخر، فغير كل مذهبه الفقهى!، فما بالنا بعصر يموج بالتغيرات كل لحظة، وما زلنا نعتمد على فتاوى مر عليها مئات السنين!، ونعتبرها أقوالا مقدسة تحمل قداسة الدين نفسه!

 

أدّعى أن المخرج من هذه الأزمة الفكرية، والطريق لتجديد الفكر الدينى، يوجد فى تراثنا الفكرى الإسلامى.. ويجب أن نفرق بين الآراء والإنتاج الفقهى أو الفكرى للعلماء القدامى “تراث الأشخاص”، والعلوم الدينية المنهجية التى وُضعت بالأساس لضبط هذه الآراء، وحمايتها من الانحراف والتطرف “تراث المنهجية العلمية”، وهذا هو الممثل الحقيقى للتراث الإسلامى.

فمنظومة العلوم الإسلامية التى أسهم فى صياغتها آلاف العلماء على مر القرون، وُضعت بالأساس لضبط وإصلاح الخطاب الدينى وعدم تطرفه، كما ألزمته أيضًا بضرورة التجديد والتطوير فى كل زمان ومكان.

وتأتى عبقرية التراث الإسلامى من أنه لم يُعرف بأسماء العلماء والفلاسفة، وإنما بأسماء العلوم الضابطة الحاكمة لأقوال العلماء.. فالشخصيات العلمية فى الإسلام مهما كانت مكانتها العلمية البارزة، إلا أنها تظل منضوية ضمن منظومة العلوم المنهجية الحاكمة الضابطة لأقوالهم. هذه العلوم التى لم ينفرد بتأسيسها فرد أو بضعة أفراد، وإنما كل علم منها شارك فى تأسيسه وتطويره مئات العلماء المتخصصين، لدرجة أننا نواجه معضلة حقيقية عند البحث عن المؤسس الأول لكل عِلم منها، والحقيقة أننا لن نصل لإجابة حاسمة لهذا؛ لأن هذه العلوم ببساطة قد نشأت نتيجة تراكم جهود مئات العلماء، وبعمل جماعى فريد تواصل لمئات السنين، أسهم فى تطويرها وإنضاجها، كما أن هذه العلوم بكل فروعها خضعت لعمليات تجديد وإصلاح فى كل عصر، مما يُسهم بالتالى فى تجديد الفكر الدينى نفسه.. وللأسف لا يفوتنا أن نشير إلى أنه بتوقف هذه الحركة التجديدية الفكرية للتراث الإسلامى منذ قرون، توقف معها تجديد الفكر الدينى، وأدى إلى هذا التخلف الذى نعيشه على كل الأصعدة.

ولكى تتضح ملامح هذه الأفكار، فلا غِنى عن إفراد مقالات تالية توضح وتفصل هذه المعانى التى تناولتها.. ومناقشة الآراء الداعية للتخلى عن التراث والقضاء عليه فى سبيل التقدم وتأسيس النهضة الفكرية.

ثم أبدأ تِباعًا فى تناول العلوم الإسلامية مثل (أصول الفقه – القواعد الفقهية – مقاصد الشريعة – المنطق – الفقه – مصطلح الحديث – الجرح والتعديل – عِلم العِلَل – تدوين السنة – علوم القرآن – التفسير – علم الكلام – الفلسفة – التصوف… إلخ)..

وكيف أن كل علم منها أسهم فى إثراء الفكر البشرى ككل وليس الإسلامى فقط، وكيف نجح كل علم فى وضع ضوابط منهجية تحاول أن تعصم الفكر عن الخلل والانحراف، وأن غالبية الانحرافات الفكرية التى حدثت وتحدث من أمثال “داعش” هى مِن أشخاص تحرروا من تلك الضوابط المنهجية فى فهم واستنباط الأحكام الشرعية، وظنوا فى أنفسهم القدرة على استنباط الأحكام مباشرة من النصوص دون امتلاك الأدوات، فضلُّوا وأضلُّوا.

كما سنُفرد مقالات أخرى عن بعض القضايا الفكرية المثارة، وعرضها على تلك الضوابط المنهجية الفكرية فى تراثنا الإسلامى، لنرى بأنفسنا النتائج المذهلة التى سنصل إليها فى كل قضية نطرحها، لنتيقن أننا سنجد فى تراثنا الفكرى الحل لكثير من مشكلاتنا وأزماتنا.

 

 

هوامش

هيجل

(1770 – 1831)، أحد أهم الفلاسفة الألمان، ويعتبر أحد أكبر مؤسسى حركة الفلسفة المثالية فى أوائل القرن التاسع عشر. وقد بنى ماركس نظريته فى تحليل النظام الرأسمالى، على “الجدل الهيجلى”.

 

الشافعى

(150هـ – 204هـ)، ثالث أئمة الفقه الأربعة المشهورين، أسس مذهبه الفقهى بالعراق، ثم استقر بمصر عام 199هـ وأعاد تأسيس مذهبه الجديد، وجمع فيه بين مدرستى “الرأى” و”الحديث”، تأثرًا بالإمامين أبى حنيفة ومالك.


بحث

ADS

تابعنا

ADS