أذاعت أمه خبر مجيئه للدنيا بصرخة، وأذاعت زوجته وأبناؤه وأحفاده وجيرانه وجيران جيرانه خبر رحيله منها بأمواج متلاطمة من الصويت أفزعت العصافير الساكنة فوق شجرة التوت أمام بيته.
ولأن العمر لحظة فلم يكن أحد مصدقًا أن تأتي اللحظة بهذه السرعة لرجل لم يؤذ أحدًا في حياته لكن في الجنازة بقى كانت لحظات من الأذي لمعظم المشاركين الذين لم يتوقعوا أن يكون يوم وفاته هو يوم مباراة الأهلي مع فريق أفريقي في بطولة أفريقية في دولة أفريقية تبعد مئات الآلاف من الكيلومترات عن بيت عم عباللله اللي قدامه شجرة التوت.
واحتار مشجعو أقصد مشيعو الجنازة هل يدفنوه بدري بدري علشان يلحقوا الماتش أم ينتظروا بعد نهاية المباراة، وكلمة من هنا على كلمة من هناك استقر الرأي على دفنه بين الشوطين.
وانقسم فريق من المشيعين دون اتفاق بينهم على أن يحضر الشوط الأول مجموعة ليعودوا لمتابعة الجنازة ويرسلوا الفوج الآخر إلى أن انتهى المغسل من عمله وخرجت الجنازة من بيته ورافقتها زقزقة حزينة من العصافير التي تسكن شجرة التوت أمام بيته.
وتابعت الجموع موكب الجنازة وعلى محياها علامات الحزن وهمهمات بأن هذه هي الدنيا ولله ما أخد ولله ما أعطى واقترب الموكب المودع الحزين من أحد القهاوي وهنا بالضبط حدث ما لم يتوقعه عم عبد الله إن كان حيًا ولم يقصده لاعب الأهلي الذي دحرج الكرة على بعد مئات الآلاف من الكيلومترات في القارة السوداء وأسكنها بين ثلاث خشبات.
فاهتزت خشبة الميت بين حامليها من نوبة الصرع التي أصابت متابعي المبارة في القهوة وتململ الصف قليلا وحاول أن يستعيد توازنه لكن اختلاله كان أسبق بعد أن حاول حامل الخشبة أن يختلس النظر للهدف فسقط وسقطت من بعده الخشبة بعد أن فشلت الثلاث زويا الأخرى في الاحتفاظ بها معتدلة بعد أن اختل الضلع الرابع.
لم يتمالك الابن الأكبر نفسه وهو يشاهد جثمان والده يغادر الخشبة متدحرجًا على الأرض بسبب دحرجة كرة على بعد مئات الآلاف من الكيلو مترات وانهال سبًا وشتمًا ولعنًا في المشيعين وفي صاحب القهوة وفي رواد القهوة وفي الكرة والذين يلعبونها وفي أفريقيا السوداء بأكملها وكادت أن تحدث مصيبة بعد أن هاجت الأصوات وماجت وعلا السلاح الأبيض من داخل القهوة وتكسرت الشيش إيذانًا ببدء معركة على من يشتمهم لولا تدخل العقلاء الذين أعادوا الجثمان لوضعه وبعد أن هدأت ثورة الابن وعادت رنة الزقزقة الحزينة من العصافير التي تسكن شجرة التوت أمام بيته.
