التراث الإسلامى وإسهامه فى الحضارة الإنسانية

وجهات نظر , Comments Disabled

فى البداية لا بد أولاً من تحرير المصطلحات، وتوضيح المقصود من كلمة “التراث الإسلامى”، وموقع “العلوم الإسلامية” من هذا التراث.

فمصطلح “التراث” الذى أصبح يتكرر على ألسنة وأقلام الداعين إلى تنقيته (أو القضاء عليه)، كلمة فضفاضة لم يحدد أحد ماذا يقصد منها بالضبط، فمنهم مَن يطالب بحرق التراث، ثم بعد ذلك يتراجع ويقول بل بعضه فقط، ومنهم مَن ينقل أقولاً شاذة متناثرة لبضعة شخصيات من بعض الكتب، ثم يعمم الحكم على كل التراث ويقضى بضرورة إحراقه!.. وهكذا.. فهلَّا وضحوا لنا مقصودهم من “التراث” أولاً قبل الحكم عليه؟ وهل أحاطوا به وألمّوا بما احتواه قبل أن يطالبوا بإحراقه؟

أولاً: التراث هو كل ما يرثه اللاحقون من السابقين.. فالتراث الفرعونى مثلاً هو كل ما تركوه لنا من معابد وآثار ومخطوطات وعلوم ولغة و..و.. إلخ، فبالتالى يكون معنى التراث الإسلامى بشكل عام هو كل النتاج الفكرى والعلمى والحضارى والإنسانى الذى تم فى رحاب الدول الإسلامية منذ نشأة الإسلام حتى اليوم، سواء من مسلمين أو غير مسلمين، فمعروف مثلاً أن فى تاريخنا الإسلامى فلاسفة وأطباء وعلماء عباقرة فى كل المجالات كانوا يهودًا ومسيحيين، أسهموا بشكل بارز فى إثراء التراث الإسلامى والإنسانى بشكل عام.

ثانيًا: معروفٌ للجميع الإسهام الحضارى العظيم للتراث الإسلامى، والخدمات الجليلة التى قدمها للإنسانية جمعاء، وفى كل المجالات:

اذهب إلى جامعة أكسفورد ببريطانيا لترى تمثال الفيلسوف “ابن سينا” بجوار تمثالين لأفلاطون وأرسطو.. كما أن جامعات أوروبا حتى العصر الحديث كان الكتاب الطبى المعتمد لديها لتدريس الطب هو “القانون” لابن سينا.

اذهب إلى روسيا لترى تمثال الفيلسوف “البيرونى”، بالمتحف الجيولوجى بجامعة موسكو، تخليدًا لذكرى هذا العالم فى مجالات الفلك والهندسة والطب، كما أنه كان عملاقًا فى علم الجيولوجيا.

اذهب إلى إسبانيا لترى تمثال الفيلسوف الكبير ابن رشد يزين “قرطبة”، تأكيدًا على مدى التبجيل والاعتراف بفضله فى إثراء الفكر الفلسفى الغربى، وأنه لولاه لضاع الكثير من تراث المعلم الأول “أرسطو”، فقد لُقب ابن رشد بـ”شارح أرسطو”، وجاء فى الموسوعة الفلسفية لـ”جوناثان رى” عند الحديث عن ابن رشد:

“فالنص اللاتينى لمؤلفات أرسطو الكاملة يحتوى عادة عى شروح ابن رشد.. وقد ساعدت شروحه الأرسطية على فهم المعلم الأول، ونشرت نفوذه فى الغرب بين اليهود والمسيحيين، وأدت إلى قيام المدرسة الرشدية…”

علمًا بأن تراث اليونان الفلسفى عمومًا وأرسطو خصوصًا، قد نُقل إلى أوروبا عن طريق المسلمين، فقد ترجم المسلمون تراث اليونان الفلسفى إلى العربية وأسهموا فى إنضاجه وتهذيبه، ثم نُقل بعد ذلك إلى أوروبا عن طريق ترجمته من العربية.

اقرأ لفلاسفة أوروبا وتعرَّف على منهجهم العملى التجريبى والاستقرائى الذى يُعتبر سر حضارتهم اليوم، لتجد أنهم لم يستطيعوا أن ينكروا فضل الحضارة الإسلامية فى تأسيس وتقعيد هذا المنهج العملى، حيث سبقوا بذلك الفلاسفة الغربيين المحدثين أمثال “فرنسيس بيكون” و”جون ستيوارت مِل”، الذين حذوا حذو مفكرى الإسلام فى الأخذ بهذا المنهج.. فالمسلمون إذن هم مصدر هذه الحضارة الأوروبية القائمة على المنهج التجريبى.. ويكفى أن أحيل القارئ على سبيل المثال إلى كتاب “مناهج البحث عند مفكرى الإسلام” للدكتور على سامى النشار، لتوضيح هذه النقطة تحديدًا، والتأكيد أنه قد شارك فى تأسيس هذا المنهج العملى جميع مفكرى وعلماء المسلمين من أصوليين وفقهاء ومتكلمين وصوفية وعلماء طبيعة.

والمقام لا يسمح بالتوسع أكثر فى ضرب الأمثلة على قيمة هذا التراث الإسلامى، وفضله الكبير فى تقدم الإنسانية.

فهل هؤلاء الذين يطالبون بالقضاء على التراث الإسلامى يدركون مَدى إجرامهم فى حق الإنسانية؟! وإذا أجابوا بأنهم لا يقصدون بـ”التراث الإسلامى” هذا الذى ذكرتُ، إذن كان يتوجب عليهم تحديد المراد و”تحرير المصطلح”، فالتعميم فى غير محله يورث الفوضى الفكرية، ولا يسهم بأى حال فى علاج المشكلة.

ثالثًا: لذلك –وبعد تحرير معنى كلمة التراث الإسلامى- ينبغى أن نتجنب إطلاق الكلمة هكذا غير عابئين بما تمثله من مغالطات تضر ولا تنفع.

لذلك سيوافقنى الجميع أن يكون مدار حديثنا تحديدًا عن “العلوم الدينية الإسلامية” التى هى جزء من التراث الإسلامى الكبير الذى أشرت إلى معناه سابقًا.

وقد يعترض البعض على فكرة وجود علوم دينية من الأساس، ويرفض هذه العلوم أصلاً جملة وتفصيلاً، ويرى أنها تخالف مقصد الدين أو تُسهم فى صنع الكهنوت الدينى أو تجعل هناك واسطة بين الإنسان وخالقه.. لذلك يرفض كل هذه العلوم وما بُنى عليها.

لذلك سيكون محور المقال القادم هو مناقشة هذه الفكرة، والتأكيد أن خلل الفكر الدينى أساسًا سببه ابتعادنا عن هذه العلوم الضابطة المانعة من الانحراف، واكتفاؤنا بالتقليد والجمود على كتب وأقوال السابقين وليس المنهجية العلمية التى من خلالها نضبط أقوال السابقين.

 

 

هوامش

جامعة أكسفورد

من أقدم جامعات أوروبا، فأصولها ترجع إلى القرن الحادى عشر الميلادى، وهى رابع أفضل جامعات العالم، والجامعة الأولى فى بريطانيا وفقًا لمؤشر تايم للجامعات لعام 2012.

 

البيرونى

(362هـ – 440هـ)، كان رَحَّالة وفيلسوفا وفلكيا وجغرافيا وجيولوجيا وصيدليا ومؤرخا ومترجما لثقافات الهند. وُصف بأنه من أعظم العقول التى عرفتها الثقافة الإسلامية، وهو أول من قال إن الأرض تدور حول محورها. وصنف ما يزيد عن 120 كتابًا.


بحث

ADS

تابعنا

ADS