وقف يرتجف من الفقر، وهو يقدم للدكتور الجالس في مكتبه ورقة مطوية من عميد الكلية، قرأها الدكتور سريعا وبعد أن تفحص مظهر الطالب المتواضع قال له: المذكرات خلصت يا حبيبي. ابتلع الطالب ريقه غير الموجود وخرج وهو يغلق الباب خلفه بهدوء، ليعود بعد قليل في صحبة العميد الغاضب.
لم يطرق العميد باب المكتب بقبضة يده ويستأذن في الدخول، دفعه بقدمه مثل جندي شجاع يحرر مكانا غير آمن وعلى وشك إطلاق النار على إرهابي، ما جعل ضلفتي الباب بنفرجان مرة واحدة ويرتجان في الحائط، شعر الدكتور الجالس بالفزع وحاول أن يتمالك نفسه وهو يقف مرتبكا ويقول:
عميد الكلية ويعمل اللي هو عايزه؟
نظر إليه العميد باحتقار قائلا له:
بعت لك ورقة عشان تدي الطالب مذكرة .. هي فين؟
بيد مرتعشة تناول الدكتور كتابا أمامه، وقدمه للعميد وهو يقول له:
النسخ كلها خلصت.. دي اللي باقية.. نسختي.. اتفضل
التقطها منه العميد وأعطاها للطالب وهو يطبطب عليه ويقول له: أنا آسف يابني.
في أواخر التسعينات شهدت قنا ظاهرة عجيبة لم تحدث من قبل، بطلها رجل في نهاية الأربعينات من عمره، تم تعيينه عميدا لكلية التربية بقنا، أول شيء فعله، هو وضع بدلته على الشماعة خلف مكتبه، وارتداء ملابس رياضية وكوتشي.
في ملعب الكرة بالكلية كان بإمكانك مشاهدة العميد الجديد يشارك الطلاب مبارياتهم في الصباح، أو رؤيته بجانبنهم على الكافتريا في الظهيرة يلقي النكات ويضحك معهم دون أن تهتز هيبته أو يفقد شيئا من وقاره، وفي المساء كان يشرف على الفرقة المسرحية باعتباره المخرج ويوجه تعليماته للممثلين بابتسامة تكشف عن أسنان بيضاء لرجل لا يدخن.
في الدور الأول من مبنى الكلية (قصر الملك فاروق سابقا) كان يقع مكتب العميد، إذا كنت طالبا في الكلية يمكنك الدخول إليه في أي وقت بدون استئذان من مدير مكتبه، فقط تضع يدك على “أوكرة” الباب، لتجد نفسك أمامه، تقول له ما تريد ، أما إذا كنت عضوا في هيئة التدريس فإن الأمر يستلزم أن تنتظر بعض الوقت حتى يسمح لك بالدخول.
ذات مرة دخلت على مدير مكتبه وأنا أسأله: العميد موجود فقال لي: نعم. وقبل أن أضع يدي على الأوكرة وجدت أحد الدكاترة يقف غاضبا وهو يقول لمدير المكتب: “أنا بقالي ساعة.. وده لسا جاي.. إزاي يدخل قبلي”
نظر إليه مدير المكتب قائلا: ده طالب!.. يدخل في أي وقت
يعني إيه طالب
دي أوامر العميد يا دكتور..
من الثامنة صباحا وحتى العاشرة مساء كل يوم، كان الطلاب يمارسون أنشطتهم في كل بقعة من الكلية، لاعبو الكرة يتقافزون على المستطيل الأخضر، والجوالة ينصبون الخيام، والشعراء يجلسون في الندوات التي يأتي إليها كبار المبدعين في مصر، وهواة التمثيل يجسدون أدوارهم على المسرح الكبير، المبدعون يكتبون في العديد من المجلات المعلقة والمطبوعة، وكل هذا يمضي جنبا إلى جنب مع المحاضرات في المدرجات.
الطلاب الفقراء لم يكن عليهم إزعاج أولياء أمورهم بمصاريف الكلية، العميد كان يوفر لهم ما يحتاجونه من مذكرات مجانا، وحتى يضمن وصول الدعم لكل شخص منهم منعه الحرج من الذهاب إليه، كان يزرعنا نحن (أعضاء اتحاد الطلاب) لننقل إليه أسماءهم، فيرسل إلى كل دكتور ورقة صغيرة مكتوب فيها: رجاء إعطاء حامله مذكرة كذا، وإذا حدث وامتنع أحدهم عن منح المذكرة لطالب فعليه أن يحتمل ثورة العميد.
أما من يعانون من ظروف صعبة فقد كان الدكتور يوجه ورقة إلى رعاية الشباب يكتب فيها رجاء إعطاء حامله مبلغ كذا، ويتم صرف المبلغ للطالب في الحال.
من النادر أن تخلو أمسية من حفلة فنية، أو ندوة ثقافية، أو لقاء أحد الضيوف الكبار من نجوم المجتمع، أو احتفال خاص بمناسبة، أما العميد فقد كنت تراه في أي مكان كأنه رجل من أهل الخطوة، يشرف على كل شيء ويشارك العمال ما يقومون به بيده.
في ذلك الوقت كانت كلية التربية بقنا هدفا لوسائل الإعلام، إذاعة وتليفزيون إضافة إلى كبريات الصحف التي تبعث مراسليها لتغطية الأنشطة المتنوعة.
عندما كان العميد يظهر في حفلة على مسرح الكلية، كان الطلاب يصفقون وهم يهتفون باسمه: نصر الله.. نصر الله..
كان ينحني في تواضع ويشير لنا بيده أن نتوقف، ولا نتوقف، فيبتسم تلك الابتسامة التي تملأ قلوبنا بالمحبة والرضا لرجل منحنا أبوة خالصة.
شيء واحد اختفى من الكلية ولاحظ الجميع غيابه في عهد الدكتور نصر الله معوض .. التطرف.
