الخروج عن النص

وجهات نظر , Comments Disabled

منذ الوهلة الأولى عند سماع كلمة الخروج عن النص يتبادر إلى أذهاننا الخروج عن النص المسرحى، حيث يتطرق «المشخصاتى» إلى موضوع غير موضوع النص الذى يقوم بتشخيصه.

والخروج عن النص فى مضمونه العام يعنى: الخروج عن المألوف، والمتعارف عليه بين طرفين أحدهما له السلطة، والهيمنة، ويعتبر هو واضع النص، وحاميه، وله سلطة تخول له سير المتبوع على النهج المرسوم للوصول لغاية معينة.

الخارجون عن النصوص دائما يربطهم قاسم مشترك وهو روح التحدى والتمرد.

والخروج عن النص المسرحى رغم أنه فى غالب الأحيان يعطى روح الفكاهة والتسلية إلا أن الخارج عن النص قد يلقى ما لم يتوقعه جزاء تمرده.

فى عام 1983 تم حبس الفنان سعيد صالح ستة أشهر إثر خروجه عن النص فى مسرحية «لعبة اسمها الفلوس» حين قال: (أمى إتجوزت تلات مرات واحد أكلنا المش، والتانى علمنا الغش، والتالت ولا بيهش ولا بينش) فى إشارة منه لرؤساء مصر الثلاثة عبد الناصر، والسادات، ومبارك.

رغم أن الخروج عن النص المسرحى يكون بدافع إضفاء جو الفكاهة؛ لإضحاك الجمهور، أو للإسقاط على وضع سياسى معين إلا أن الخروج عن النص السياسى هو الأكثر فداحة، وخطرا.

كانت فكرة الإحياء الإسلامى الشغل الشاغل لقادة التنوير، خاصة بعد تكالب القوى الإمبريالية، واحتلالها غالبية الدول الإسلامية، ومحاولة محو الخلافة لقطع أى محاولة قد تنشئ وحدة تهدد مصالحها، وتمزيق إمبراطورية السلطان عبد الحميد الثانى الذى اطلقوا عليه رجل أوربا المريض.

فى الوقت ذاته كانت بريطانيا المسيطرة على أغلب تلك الدول ترى  أن فكرة الإحياء الإسلامى قد تصب فى صالحها وأن وجود قوى إسلامية معتدلة تحت نظرها تدفع عنها تحديا أشد خطرا من ظهور حركات أكثر قوة، فألتقت بجمال الدين الافغانى، ومن بعده تلميذه الإمام محمد عبده، وبعدهما حسن البنا الذى أنشا جماعة الإخوان، وتوسع فى فروعها لتشمل بعض الدول الإسلامية الأخرى، مقدما نفسه على أنه البديل لحركات القومية العلمانية، وهو ما تغاضت عنه بريطانيا وقتها ليس حبا فى الإسلام ولكنها السياسة.

لكن الوفاق لم يدم، فالحركة التى اعتبرتها بريطانيا بديلا أقل خطرا خرجت عن النص المرسوم حين أرسلت الجماعة مجموعات لقتال اليهود فى فلسطين وقامت بعمليات فدائية ضد الإنجليز فى القناة معتبرة أن بريطانيا دولة ظالمة أعطت حقا لمن لا يستحقه فانتهجت معها بريطانيا إستراتيجية قمعية لم يخفف وطأتها سوى وصول فاروق للحكم، ومع ذلك لم يدم الوفاق طويلا حيث تم اغتيال مؤسس الجماعة حسن البنا ردا على ضلوع الجماعة فى اغتيال محمود النقراشى رئيس الحكومة بعد اعتزامه حل جماعة الإخوان.

عندما اعتلى عبد الناصر سدة الحكم فى مصر كان يرى فى الحركات الإسلامية تحديا وتهديدا حقيقيا لحركة القومية العربية التى يسعى لها  وكان يرى وقتها أن بريطانيا تقوى هذا الفصيل لتحدى سلطته وتقويضها فقام بالتنكيل بهم، حتى آلت الأمور للسادات.

حاول السادات أن يطبق قواعد لعبته السياسية، وهى تقوية الفصيل الإسلامى للتخلص من بقايا الناصريين، ودعاة القومية العربية، ثم التخلص فيما بعد من هذا الفصيل، فأخرجهم من السجون، وسمح لهم بممارسة العمل السياسى على أوسع نطاق، حتى تغلغلوا فى الجامعات، والنقابات وأصبحوا قوة مهيمنة، وخرجت اللعبة من يد الداهية رغما عنه، فبعد عقد الصلح واتفاقية السلام خرجت صيحات التنديد والرفض وكان الصوت الأقوى حينذاك للتيارات الإسلامية التى قابلت ذلك بالتنديد  فى الوقت ذاته كانت إسرائيل ترى أن السادات قام بخداعها وأجبرها مرغمة على الجلوس والتفاوض حفاظا على ماء وجهها أمام المجتمع الدولى، فلم تغفر له تلك الفعلة، فتحالفت مع الصحف العالمية  على بعث روح الديكتاتورية، وإذكاء  النرجسية لديه؛ ليسهل عليهم وقوعه بسهولة.

لم يك غريبا وقتها أن تطالعنا الكثير من الصحف فى غالبية حديثها عن السادات ونعته بأنه أذكى رجل فى العالم، وأشيك رجل فى العالم، وتتابع عن كثب جولاته ولقاءاته، حتى بدأت روح الإعجاب تتسرب إليه وبدأ يضيق ذرعا بمعارضيه.

السادات الذى دعا للتعددية الحزبية،وهدم السجون، وترك الجميع يعبر عن رأيه فى حرية حتى الجماعات المنبثقة التى غيرت مسار فكرها إلى الفكر المتطرف، وتكفير الحاكم ووجوب جهاده انقلب ليعلن أن الديمقراطية لها أنياب، وأوعز إلى تابعيه بتغيير الفقرة التى تنص على أن فترة الرئاسة مرتين ليجعلها قابلة لمدد أخرى، ولسوء حظه لم يستفد منها إنما كانت من نصيب خلفه حسنى مبارك، ورأى أن الحركة الإسلامية قامت بدورها الذى أحياها من أجله ويجب  عليه أن يقصيهم ويهمشهم، ناهيك عن ضيقه من محاولتهم فرض آرائهم، وتقييده فقام  بإيداعهم السجون مما أجج الصدور ضده وكانت النتيجة المتوقعة هى اغتياله فى حادثة المنصة من أتباع الجماعة الإسلامية.

وعلى الصعيد الدولى حين تنافست روسيا مع أمريكا على الهيمنة والسيطرة على العالم قامت أمريكا بتمويل الجماعات الجهادية  الأفغانية التى كانت تواجه الدب الروسى وقتها حتى أثخنته الجراح، وتم تفتيت الاتحاد السوفييتى لتهيمن أمريكا وحدها وتجعل نفسها قطب القوة الأوحد.

ولم تنجو من نفس الشرك فالجماعات التى دربتها، ومولتها، وأمدتها بالسلاح خرجت عن نصها وقامت بضربها فى عقر دارها فى أحداث الحادى عشر من سبتمبر 2001 لتنقلب أمريكا ومعها المجتمع الدولى ضد ما أسموه بالإرهاب الذى هو فى الأصل صنيعتهم وربيب حجورهم.

وما زالت النصوص مفتوحة، والخارجون فى تزايد يربطهم قاسم التمرد والتحدى، وأصول اللعبة الخطيرة لم يستطع أحد فهمها بعد.


بحث

ADS

تابعنا

ADS