تهميش الابن الأكبر يؤدى إلى العزلة والاكتئاب

وجهات نظر , Comments Disabled

تهميش الابن الأكبر داخل الأسرة فى الشبيبة والكبر، غالبا ما يكون نتيجة لتهميشه فى الطفولة والصغر، ولأسباب تتعلق بالتفرقة بين الأبناء أثناء التربية، وهو أمر يقع فيه الكثير من الأباءفى مختلف المجتمعات، ولكن بدرجات متفاوتة، تكون أكثر حدة فى العديد من الدول العربية،  وتكون النتيجة هى امتلاء قلوب الأبناء بالحقد والضغينة والكراهية تجاه بعضهم البعض، بسبب الغيرة التى يولدها التهميش فى قلوب الإخوة، وخاصة قلب الابن الأكبر باعتباره الطرف المهمش الواقع عليه التمييز والتفرقة.

بداية أكد أحمد الدولتلى، مدرس مصرى، 44 سنة، القاهرة،  أنه هو نفسه تعرض للتهميش المتعمد من جانب والده، وكانت النتيجة خصومة أبدية مع أخيه الأصغر حتى الآن، فضلا عن شعور يتملكه بالكراهية تجاه والده، وإن كانت هذه الكراهية لم تتحول يوما من مجرد شعور إلى مجرد سلوك، قائلا: أعتقد أنها قد تتحول إلى سلوك غير سوى من الابن تجاه الأب، فى حالة اقتران التفرقة فى التربية بتفرقة فى الميراث، لافتا إلى أن له ابن عم يعمل محامى، وتصله قضايا أسرية، يكون المتخاصمون فيها من نفس أفراد الأسرة الواحدة، ويكون الخلاف فيها على الميراث، وبالاستماع للموكلين فيها، تجد أن سببها هو التهميش المتعمد لأخ لحساب آخر .

الدكتور رفعت الأنصارى أستاذ علم الاجتماع بكلية الأداب جامعة حلوان، أكد على أهمية الموضوع وحذر من مسألة تهميش أحد الأبناء داخل الأسرة لصالح ابن آخر، وخاصة تهميش الأكبر والتقليل من شأنه لصالح الابن الأصغر، وقال : إن الأسرة هى المصدر الأول للتنشئة وإن صلحت صلح المجتمع كله، ولا بد أن يكون على الأسرة العامل الأكبر فى زرع المحبة وايجادها بين الأبناء، فمثلا نرى بعض الأسر التى تنجب بنات “إناث” كثيرة، يقوم الأب والأم فيها بتدليل الولد “الذكر”  الذى يأتى بعدهم.

وأكد “الأنصارى ” أنه ضد التهميش والإهمال داخل الأسرة، بما فيه تهميش البنات لصالح الأولاد، لأن العبرة بالعقل وليست بالنوع، لافتا إلى أهمية حث الأباء والأمهات لأبنائهم الكبار على القيام بتصرفات وسولكيات من شأنها إشاعة روح المحبة والمودة والألفة بين أبناء الأسرة، كحث الابن الكبير على شراء هدية وتقديها لأخيه الأصغر، وذلك فى الأعياد ومناسبات عيد الميلاد، والنجاح  فى امتحانات آخر العام وغيرها، مشددا على أن تهميش الإبن الأكبر له تداعيات وآثار سلبية كثيرة، على رأسها إشاعة روح الضغينة والعداء بين أفراد الأسرة الواحدة، وهذا بدوره يؤثر بالسلب الشديد على المجتمع ككل.

وأضاف “الأنصارى” : على الأسرة أن تركز بقدر الإمكان على إكتساب أبنائها الكلام الطيب والنصائح، وهذه تسمى عملية الضبط الاجتماعى، مؤكدا أن الأسرة التى تلتزم بعملية الضبط الاجتماعىفى التربية، تنشىء أبناء يتفهم كل منهم طبائع الأمور، وتجعل الأخ الأكبر لا يشعر بغضاضة من علو شأن أخيه الأصغر، طالما أن هذا لا يتأتى له من خلال تمييز الأب بين الأبناء فى التربية.

وأوضح”الأنصارى” أن تهميش أحد الأبناء  من خلال التفرقة فى المعاملة داخل الأسرة، قد يترتب عليه إصابة الابن المهمش بالعزلة والانطواء،كمقدمة لأمراض الاكتئاب، فضلا عن أنه يتسبب فى بعض الأحيان فى حدوث نزاعات وشجارات داخل الأسرة، وقد يصل الأمر إلى أن يكره الأخ المهمش أخيه المدلل، مؤكدا أن المساواة فى التربية تؤدى إلى نشأة صحية وسوية للأبناء، بعيدة عن أعراض وأمراض الحقد والحسد والغيرة.

الدكتور هاشم بحرى، أستاذ الطب النفسى بجامعة الأزهر،  أكد أن تهميش الابن الأكبر لصالح الابن الأصغر، تكون تداعياته سيئة للغاية، وخاصة إذا كان تهميشا متعمدا من جانب الأب والأم، وشعر بذلك به الابن الأكبر واقتنع بينه وبين نفسه بأن هذا التهميش هو سبب ما آل إليه وضعه ومكانته داخل الأسرة وخارجها، موضحا أن رد الفعل يكون وفقا لطبيعة الشخص نفسه ودرجة العداء والكراهية التى يكنها لأخيه الأصغر، مؤكدا على احتمال وصول الانتقام فى مثل هذه الحالة إلى حد القتل .

التربية وأخطاء التنشئة الأسرية قد تساهم فى تكريس مسألة تصعيد الإبن الأكبر على حساب الابن الأصغر، هذا ما أوضحه الدكتور هاشم بحرى، حيث قال: غالبا ما يكون الأب مهتما بأن يكون الابن الأكبر نسخة من أبيه، وبالتالى يفرض عليه قيودا صارمة تحد من حركته وقدرته على التفكير وعلى اتخاذ القرار بشكل مستقل، وذلك على عكس الابن الثالث مثلا، والذى تكون عليه القيود والضغوطات أقل، خاصة وأن لدينا ثقافة وتراث دينى يحث الناس على حب الطفل الصغير فى الأسرة وتدليله والاهتمام به أكثر، وبعضها مأخوذ عن أحاديث نبوية عن الرسول “ص”، وهذه التنشئة تعطى الطفل الأصغر مساحة  من الحركة والحرية تجعله قادرا على التصرف واتخاذ القرار .

وتابع “بحرى” : لو افترضنا أن هناك أبا وأما وأنجبا 4 أطفال، فإن الطفل الأول سيكون هدية الأم للأب، بمعنى أن هذا الابن يجعل لها قيمة ويضعها بجدارة فى مكانة “ست البيت”، وغالبا ما يكون هذا الابن قريب الشبه من أبيه فى الطباع، أما الابن الثانى فإنه يكون أقرب فى الصفات إلى الأم، فى حين تكون صفات الابن الثالث  “وسط” بين الأب والأم،  ويكون الابن الرابع “صايع” ، فلا هو أقرب إلى الأب ولا هو أقرب إلى الأم، ودائما ما يلقى الابن الأصغر عناية كبيرة من الأم والأب، لأسباب نفسانية، منها أنه دليلهم أمام الناس أنهم مازالوا قادرين على الإنجاب، وأن كفاءتهم العاطفية ما زالت قوية .

وأضاف “بحرى”، إن تنشئة الابن الأصغر غالبا ما تكون لطيفة جدا، وليس فيها القيود الصارمة التى يتم فرضها من جانب الأبوين على الابن الأكبر، وهذا يجعل الابن الأصغر، لديه كم من حرية الحركة والجرأة والاعتماد على النفس، وكذلك ثقة فى النفس وبدرجة عالية جدا، وذلك على عكس الابن الأكبر الذى غالبا ما يكون مثل شريط القطار، ومنفذ جدا لتوجيهات الأب، وليس له أى قدرة على الحركة أو الإبداع، واحيانا ما يكون نسخة كربونية من أبيه.

وأردف”بحرى” : وفى ظل هذه الظروف، وخاصة عندما يكون الطفل الأصغر ذكيا، فإن قدرته على الحركة واتخاذ القرار، تعطيه مساحة من الاعتبار والتقدير فى عيون الأب، وعندما يكون الابن الأكبر أيضا فاقد الثقة بالنفس وفاقد القدرة على اتخاذ القرارات، فإن تهميشه لصالح الابن الأصغر يكون خيار حتمى، قد تترتب عليه مشاكل نفسية كثيرة، تتسبب فى مشاجرات وخناقات، تقل حدتها وتزداد حسب طبيعة كل شخص، وحسب أسلوب التنشئة، وما إذا كان يسمح بقبول الاختلافات داخل أفراد الأسرة أم لا .

وتكمن الخطورة، بحسب تأكيدات الدكتور هشام بحرى، فى أن أقسى أنواع الغيرة والحساسية وأقصى درجاتها هىالتى تكون بين الإخوة، بحكم أنهم جميعا يتصارعون على رضاء الأب والأم، وخاصة فى مرحلة الطفولة، حيث يكون الأب والأم بالنسبة لأبنائهما بمثابة الكنز الوحيد فى الحياة الذى يتصارعون عليه، وهى حقيقة أكد عليها الأديب العالمى نجيب محفوظ فى إحدى رواياته، ولا علاج لها سوى تربية وتنشئة أسرية سليمة قائمة على المساواة والعدل، لاتفرق بين الأبناء، سواء ذكور أو إناث حتى فى نظرة الرضا والإعجاب .

الدكتور هشام بحرى، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الأزهر، أكد أن هناك أمراض نفسية خطيرة، يصاب بها أفراد الأسرة، منها الانطواء والانعزال والاكتئاب،  بسبب تهميس أحد الأبناء لحساب الآخر، مؤكدا أن التمييز داخل الأسرة ينتج علاقة سلبية بين أبنائها، حيث يميل الإبن المهمش إلى كراهية أخيه الأصغر، لافتا إلى أن المشاكل التى تحدث على الميراث بمجرد وفاة الأب، وتصل المشاجرات فيها إلى حد قتل الإخوة لبعضهم البعض، غالبا ما يكون سببها التمييز فى التربية بين الأبناء.

وقالت  الدكتور سميحة نصر أستاذ علم النفس، رئيس شعبة بحوث الجريمة والسياسة الجنائية بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية:إن التفرقة بين الأبناء سلوك خطير جدا، ويكون أشد قسوة عندما يكون فيه تهميش للابن الأكبر، وإشعاره بالدونية أمام أخيه الأصغر، وأكدت أن التفرقة توجد قدر من العداوة وتكرس الشعور بالعدوانية فى صدور الأبناء، وبالتالى يكره الإخوة بعضهم بعضا، خصوصا لو شعر أحدهم بأن هناك تمييز ضده، سواء تمييز مادى أو معنوى .

وأوضحت أن تهميش الابن الأكبر فى الصغر  عادة ما يأتى من منظور أنه الأكبر وأنه سيتحمل  الحرمان خلافا للابن الأصغر،  ولذا نجد آباء مثلا يشترون ملابس للأصغر فقط، ويوفرون له أجود أنواع الأكل مقارنة بملابس وأكل أخيه الأكبر، وقد يصل التمييز أحيانا إلى حد إدخال الابن الأصغر تعليم خاص أو دولى، وإدخال أخيه الأكبر تعليم حكومى، مؤكدة أن ذلك يخلق عداوة شديدة قد تؤدى لدى البعض إلى مرض نفسى، وخاصة عندما يكون لديهم استعداد لهذا المرض، وهذا كله يؤدى فى النهاية إلى تفكك وتمزق أسرى، وذلك نتيجة لكراهية الأبناء للأباء وللأمهات بسبب التمييز بينهم فى التربية.

وأضافت”نصر”،  أن التمميزفى التربية، وخاصة تهميش الابن الأكبر، قد ينتج عنه نتيجة لكثرة الإحباطات ممارسة بعض الجرائم كالسرقة والقتل وتعاطى المخدرات والمتاجرة فيها، لافتة إلى أن التمييز بين الأبناء يظهر بوضوح فى المجتمعات الشرقية، وتختلف درجته داخل المجتمع الواحد، حيث للابن مكانة أكبر من البنت فى صعيد مصر، وفى المجتمعات الشرقية عموما، على عكس المجتعات الغربية كأمريكا وأوربا.

وحذرت”نصر” الآباء والأمهات من المقارنة بين الأبناء فى التربية، على طريقة “إنت أذكى..  انت مبتفهمش .. انت كويس .. انت وحش .. انت حبيبى أكتر.. أخوك احسن منك  ” ، ونصحت الآباء بقول مفردات أخرى فى حالة معاتبة الأبناء على تقصيرهم، مثل “انا عارف انك كويس .. وانك شاطر .. وانك هتعمل الصح .. إلخ”، وشددت على خطورة تشجيع الأبناء على الإنجاز بالمال فقط، قائلة: “هذا يخلق شخصية مادية كل شىء عندها بثمن  فى المستقبل”، مؤكدة على ضرورة أن يكون التشجيع للأبناء بالمعنويات وليس بالفلوس.

 

 


بحث

ADS

تابعنا

ADS