عزيزي القارئ:
هل تعلم أن رئيس التحرير يخدعك؟!
أنت لا تعرف ماذا يجري في الجريدة من خلف ظهرك، والآن دعني أخبرك بالسر الذي – ربما – من حقك أن تطلع عليه كاملا.
الموضوع الذي تقرأه ويعجبك ليس بالضرورة أن يكون صاحبه هو من قام بصياغته، هناك شخص آخر يقوم بالمهمة، يضع لك عنوانا جذابا، ومقدمة قوية تجبرك على قراءتها وقصة صحفية جميلة تنال إعجابك. هذا الشخص يطلقون عليه “الديسك”، ويعطونه أكبر مرتب حتى يتنازل عن كتابة اسمه بجانب الصحفي!
الخبر أو التقرير، أو التحقيق أو الحوار، الذي يكتبه الصحفي يدفع به إلى رئيس التحرير، لكن الأخير لا يسمح بنشره إلا بعد إجراء عمليات جراحية دقيقة يقوم بها الديسك، وفق السياسة التحريرية للمكان.
دعني أبسط لك المسألة.. لو افترضنا أن الموضوع الذي أتى به الصحفي يشبه امرأة قبيحة فإن الديسك طبيب تجميل، يقوم بعمليات نفخ وشفط حتى تشاهد المرأة في نهاية الأمر على أجمل صورة يتنافس الجميع على قراءة تفاصيلها المثيرة.
كلما تمكن رئيس التحرير من الحصول على خدمات ديسك شاطر، كلما ضمن لمطبوعته (الورقية أو الإلكترونية) نجاحا منقطع النظير، والعكس صحيح فالديسك البليد مثل رجل يعمل في الفاعل وتطلب منه أن يصمم لك بناية بشكل هندسي مبهر، وبالتالي عليك أن تتخيل ما سيقوم به من كوارث.
والآن. هل كل ما سبق يعني أن الصحفي لا قيمة له وأنه مجرد شخص يكتب موضوعا سيئا. بالتأكيد لا.. إن مهمة الصحفي هي جمع معلومات ثرية بدونها لا يمكن أبدا صياغة الموضوع، ولكن الصحفي الجيد عليه أن يقارن بين موضوعه قبل وبعد الديسك، حتى يتخلص من الأخطاء الساذجة، ويتعلم الحيل الأسلوبية التي تصطاد القارئ، ويوما بعد آخر يصبح مؤهلا لصياغة موضوعه من الألف إلى الياء دون الحاجة إلى شخص آخر.
المهمة الدقيقة التي يتولى الديسك تنفيذها، ويحصل في مقابلها على مبلغ كبير مقارنة بزميله الصحفي، وثناء رئيس التحرير الدائم عليه أمور تجعله عرضة للإصابة بمرض انتفاخ الذات بوصفه الأفضل كما يظن.
عندما يجلس ليعيد صياغة موضوع، فإن أول ما يفعله في الغالب هو تدخين سيجارة والنظر بسخرية إلى المادة التي أمامه، والتشكيك في القوى العقلية للصحفي الذي قام بتدوينها، وكلما نقر نقرتين بأصابعه الذهبية على الكيبورد لتصليح خطأ ما، فإن ذلك غالبا ما يأتي مصحوبا بسب ولعن زميله وتجريسه على الملأ وهو يقرأ بصوت جهوري على من حوله الأخطاء التي عثر عليها.
يبني الديسك – المغرور – لنفسه تمثالا لا يراه غيره، ويطالب الصحفيين بعبادته، وإحراق البخور حوله، حتى يرضى عنهم، ويسرد عليهم باستعلاء تاريخه السرمدي في عالم الصحافة باعتباره المنزه عن النقص، صاحب الكرامة والمنة.
إذا كان الديسك يملك قلما رشيقا، فمن العيب أن يتحول لسانه إلى “مرزبة” يحطم بها أعصاب زملائه – خاصة المبتدئين – وهو يقوم بتوبيخهم كلما سنحت له الفرصة، في حين أنهم يتوقعون منه أن يكون معلما لهم، ما يجعلهم يتعاملون معه باحترام وحب وخضوع.
يربح المتواضعون.
