كل ما كان يربطني بالفنان محمود الجندي مبلغ 250 جنيها.
رئيس تحرير موقع إلكتروني (حكومي) طلب مني منذ سنوات طويلة تفريغ وتدسيك حوار للراحل مع مجموعة من الأدباء، مقابل المبلغ المذكور.
قمت بالمهمة على أكمل وجه، ونشر رئيس التحرير الحوار على موقعه لكنه لم يدفع لي شيئا في المقابل، وكلما طالبته بحقي يتهرب، ولم أحصل على “القرشين” إلا بعد أن أيقن أنني قادر على تجريسه، خاصة بعد أن تأكد لي أن المبلغ سيذهب إلى جيبه الشخصي.
الجندي ليس فنانا محدود الفكر كما يروج البعض، على العكس، كان الراحل يمتلك ثقافة واسعة خاصة في المسرح، ما ظهر لي من خلال حديثه الغني بالمعلومات إضافة إلى قدرته في طرح أفكار من شأنها أن ترتقي بالفن بشكل عام.
حواراته القليلة في مقابلاته التلفزيونية في الفترة الأخيرة تؤكد ما أقول.
في أيامه الأخيرة كان الجندي يشعر بالنكران، ما جعله يقرر الاعتزال بعد مسلسل “رمضان كريم” منذ عامين، حين لم يتم كتابة اسمه بشكل لائق على التتر، وتجاهله في عملية الترويج للمسلسل، لكنه تراجع عن قراره حين شعر أنه لا يستطيع التنفس بدون تمثيل.
منذ أن أعلن محمود الجندي الاعتزال وكاتب هذه السطور يفكر في إجراء حوار معه، إلا أنني لم أحاول الاتصال به ولو مرة على سبيل تنفيذ الفكرة، حتى قرأت خبر وفاته على صفحة الفنان خالد الصاوي فشعرت بندم شديد. حزنت على وفاة الرجل الذي قدم الكثير للفن المصري، في حين تواطأ الجميع على إهمال مسيرته الطويلة الحافلة بمئات الأعمال السينمائية والتلفزيونية والمسرحية، وعدم الالتفات إلى موهبته الثقيلة التي جعلته مستمرا في المقدمة.
تقدم الجندي في العمر إلا أن موهبته حافظت على شبابها، ليثبت أنه قادر تجسيد كل الأدوار – بما في ذلك الكوميدي – خاصة في الفترة الأخيرة من حياته. ممثل ينتمي لجنس الجن والعفاريت يعرف كيف يلبس الشخصية ولا يخرج منها، مقنع في أعماله، قادر على أن يجعلك تشاهد الملامح الداخلية للشخصية. المدرسة نفسها التي تخرج فيها أحمد زكي وممدوح عبد العليم. جنازة محمود الجندي المهيبة دليل على أن جمهوره ممتن لمشواره الضخم، واعتراف بتأثيره على المواطن البسيط الذي يقدر قيمة الفنان المتميز.
