ثبت في الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى في المدينة ستة عشر شهرا نحو المسجد الأقصى، ثم جاءه الأمر بتحويل القبلة إلى البيت الحرام، وكان صلى الله عليه وسلم يود أن يبدل الله -تعالى- قبلته نحو المسجد الحرام، حتى أذن الله -تعالى- له بتغيير وجهته في الصلاة وقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم كان خارجا في زيارة لأم بشير بن البراء بن معرور، فلما دخل موعد صلاة الظهر قام فأمّ الناس في مسجد بني سلمة وقد توجه في صلاته إلى الشام، فلما صار في الركوع الثاني أتاه الأمر بتغيير القبلة فتحول النبي -عليه السلام- إلى الكعبة المشرفة، وتحول أصحابه معه، وقد سمي ذلك المسجد بعد ذلك بمسجد القبلتين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في صلاته فيه بين القبلتين.
وقد ابتلى الله سبحانه وتعالى بهذا الحدث الناس -وقتئذ- فامتثل المسلمون فورا لأمر ربهم، ولم يتوانوا في تنفيذ حكمه، أما اليهود فقد زعموا أن محمدا -صلى الله عليه وسلم- قد خالف الأنبياء من قبله فقد كانت قبلتهم المسجد الأقصى، وها هو قد خالف باقي الأنبياء، وأما المشركون فاستبشروا وظنوا أنه بذلك قد يوشك أن يعود إلى دينهم بعد أن عاد إلى قبلتهم، وأما المنافقون فزعموا أنه -صلى الله عليه وسلم- متخبط لا يدري ما يصنع، فإن كان على الحق في تغييره للقبلة فقد كان على باطل قبل ذلك، وإن كان الحق في القبلة الأولى فإنه وصل إلى باطل في تغييره لقبلته.. كما جاء هذا الأمر تأكيدا لنبوة النبي -صلى الله وعليه وسلم- وأنه يوحى إليه ما يتلو من آيات كريمة؛ وقد وقع فعلا ما أنبأه الله -سبحانه- به من قول، كما كان من فوائد ذلك أن يتهيأ النبي وأصحابه لبعض المشاكل قبل وقوعها فيتهيؤون لإيجاد الحلول لها، إضافة إلي تصويب المفاهيم لدى المسلمين، والمقصود بذلك أن العرب في الجاهلية كانت وجهتهم في عبادتهم الكعبة المشرفة، لكن ليس ذلك لعقيدة حقيقية، بل لعنصرية وتمجيد للقومية، فأراد الإسلام أن ينزع من المسلمين كل تحيز لفئة العرب وعاداتهم، فأمرهم بالتوجه نحو المسجد الأقصى، حتى يحصحص كل مفهوم يمجدونه غير الدين والعقيدة، ثم إذا صفت النفوس وصحت المفاهيم أعاد الله -تعالى- ربطهم بالكعبة المشرفة لكن هذه المرة برباط العقيدة والتوثيق بين الأنبياء؛ نبي الله إبراهيم وإسماعيل، ومحمد صلى الله عليه وسلم. وكذلك تعليم المسلمين سرعة الاستجابة لأوامر الله تعالى، والثقة بنبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، فلقد جاء الأمر على النبي بتحويل القبلة فحولها وتحولوا وهم راكعون إلى القبلة الجديدة دون أدنى شك أو ريب يلبسهم. توحيد المسلمين على اختلاف مواطنهم وأماكنهم، وألوانهم وأجناسهم.
