شعراء الروائع وروائع الشعراء «2»

وجهات نظر , Comments Disabled

أواصل حديثي عن روائع الشاعر السوري العبقري نزار قباني ….

“من مفكرة عاشق دمشقي” ( نزار قبّاني .. الأعمال السياسية) التي ألقيت في مهرجان الشعر بدمشق في ديسمبر١٩٧١م ، وهي قصيدة من اثنتين وأربعين بيتا من بحر البسيط «مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن» يقول نزارٌ:…..

فرشتُ فوق ثراك الطاهر الهُدُبَا

فيا دمشق لماذا نبدأ العتبا؟

حبيبتي أنت فاستلقي كأغنيةٍ

على ذراعي ولا تستوضحي السببا

أنتِ النساءُ جميعا ما من امرأةٍ

أحببتُ بعدك إلّ خلتُها كذِبا

يا شامُ، إن جراحي لا ضفاف لها

فمسّحي عن جبيني الحزن والتّعبا

وأرجعيني إلى أسوار مدرستي

وأرجعي الحبر، والطبشور، والكتُبا

تلك الزواريبُ كم كنزًا طمرتُ بها

وكم تركتُ عليها ذكرياتِ صِبا!

وكم رسمتُ على حَيطانها صُوَرًا!

وكم كسَرتُ على أدراجها لُعَبا!

أتيتُ من رحم الأحزان يا وطني

أُقبّلُ الأرض ، والأبوابَ ، والشُّهُبا

حُبي هُنا.. وحَبيباتي وُلِدنَ هنا

فمن يعيد ليَ العمر الذي ذهبا

أنا   قبيلةُ   عشَّاقٍ بكاملها

ومن دموعي سقيت البحر والسُّحُبا

فكلُّ صفصافةٍ حوّلتُها امرأةً

وكلُّ مئذنةٍ رصّعتُها ذهبا

هذي البساتين كانت بين أمتعتي

لمّا ارتحلتُ عن الفيحاء مغتربا

فلا قميص من القمصان ألبسُهُ

إلّا وجدتُ على خيطانه عِنبا

كم مبحرٍ.. وهموم البر تسكنه!

وهاربٍ من قضاء الحبّ ما هربا!

يا شامُ، أين هما عينا معاويةٍ

وأينَ من زحموا بالمنكب الشّهُبا

 

فلا خيولُ بني حمدان راقصةٌ

زهوًا ، ولا المتنبي ماليءٌ حلبا

وقبرُ خالد في حمصٍ نلامسه

فيرجُفُ القبرُ من زوّاره غضبا

يارُبَّ حيٍّ .. رخامُ القبر مسكنهُ

وربّ ميْتٍ على أقدامهِ انتصبا

يابن الوليد ألا سيفٌ تؤجّرُهُ

فكلُّ أسيافنا قد أصبحتْ خشبا

دمشقُ يا كنزَ أحلامي ، ومروحتي

أشكو العروبةَ أم أشكو لك العربا

أدمتْ سياطُ حزيرانٍ ظُهُرهُمُ

فأدمنوها .. وباسوا كفَّ مَنْ ضربا

وطالعوا كتبَ التاريخ .. واقتنعُوا

متى البنادقُ كانت تسكنُ الكتبا

سقَوْا فلسطينَ أحلامًا مُلوَّنةً

وأطعمُوها سخيفَ القولِ والخُطَبا

وخلّفوا القدسَ فوق الوحلِ عاريةً

تبيحُ عزَّة نهديها لمن رغبا

 

هل من فلسطينَ مكتوبٌ يطمئنني

عمّن كتبتُ إليه .. وهْوَ ما كتبا

وعن بساتين ليمونٍ وعن حُلُمٍ

يزداد عني ابتعادا كلّما اقتربا

أيا فلسطينُ .. من يهديكِ زنبقةً

ومن يعيد لك البيتَ الذي خُرِبا

شُرِّدتِ فوقَ رصيف الدمع باحثةً

عن الحنان، ولكن ما وجدتِ أبا

تلفّتي .. تجدينا في مباذلنا

من يعبدُ الجنسَ أو من يعبدُ الذّهبا

فواحدٌ أعمتِ النُعمى بصيرته

فللخنى ، والغواني ، كل ما وهبَا

وواحدٌ .. ببحار النّفط مغتسِلٌ

قد ضاقَ بالخيشِ ثوبًا فارتدى القصبا

وواحدٌ .. نرجسيٌّ في سريرته

وواحدٌ .. من دم الأحرار قد شربا

إِنْ كان من ذبحوا التاريخَ هم نسَبي

على العصور فإني أرفضُ النّسبا

يا شام. يا شام ، ما في جعبتي طرَبٌ

أستغفرُ الشعر أن يستجدِيَ الطّرَبا

ماذا سأقرأ من شعري ومن أدبي؟

حوافر الخيل داستْ عندنا الأدبا

وحاصرتْنا .. وآذتنا .. فلا قلَمٌ

قال الحقيقة إلّا اُغتِيل أو صُلبا

يا من يعاتبُ مذبوحا على دمه

ونزف شريانه،  ما أسهل العتَبا

منْ جرّبَ الكي،َّ لا ينسى مواجعه

ومنْ رأى السُّمَّ، لا يشقى كمن شربا

حبلُ الفجيعة ملتفٌ على عنقي

منْ ذا يعاتبُ مشنوقًا إذا تضطّربا

الشعر ليس حماماتٍ نطيّرها

نحو السماء، ولت نايا .. ولا ريحَ صَبا

لكنّهُ غضبٌ طالتْ أظافره

ما أجبنَ الشعرَ ، إن لم يركبِ الغضبا

في هذه القصيدة الرائعة رأينا ثورة الشاعر وثورة القصيدة العربية على الظلم وعلى تهميش قضية فلسطين، وكيف أن العرب سقوها أحلامًا ملوّنةً وتركوها عارية فوق الوحل، والشاعر يستنجد بالتاريخ فيستدعي معاوية – رضي الله عنه – وهذا قبر خالد الذي يرجف من زوّاره رَهَبَا، حيث إنه فقد الأمل في الحكام العرب الذين انشغلوا بمحاربة بعضهم، وتركوا عدوّهم يمرح بينهم، ولذلك حاربوا واعتقلوا من يقول كلمة الحق، فيطلب من شعره أن يغضب وتطول أظافره فالشاعر بطبعه ثائر لكرامة عروبته.

…………………………

وفي قصيدة «هرّة». ص ١٢٠ من ديوان «أنت لي» الطبعة الرابعة أغسطس ١٩٦١ الصادر عن مكتبة المكتب التجاري..وهذه القصيدة على وزن بحر من البحور المركبة وهو بحر السريع وتفعيلته هي «مستفعلن مستفعلن فاعلن … مستفعلن مستفعلن فاعلن»، وهي قصيدة من عشرة أبيات.

يقول نزار

هِرّة

أكرهها وأشتهي وصلها

وإنني أحب كرهي لها

أحبُّ هذا اللؤمَ في عينها

وزُورها -إن زوَّرت- قولها

وألمح الكذْبة في ثغرها

دائرة باسِطةً ظِلَّها

عينٌ كعينِ الذّئب محتالةٌ

طافتْ أكاذيبُ الهوى حولها

تقول: أهواك وأهدابُها

تقول: لا أهوى يا وَيْلها!

قد سكَنَ الشّيطان أحداقَها

وأطفَأَتْ شهوتُها عقلَها

أَشكُّ في شكّي إذا أقبلَتْ

باكيةً شارحةً ذُلّها

فٱنْ ترفّقتُ بها استكبَرَتْ

وجَرّرتْ ضَاحكةً ذَيلَها

إنْ عانقتني كسّرتْ أضلعي

وأَفرغَتْ على فمِي غِلّها

يُحبُّها حِقدِي ويا طالما

وددتُ -إذْ طوّقتُها- قتلَها

عبقرية نزار تظهر جلية في اختياره لموضوعاته بعناية فائقة، وكذلك في اختياره لألفاظه وصوره وأخيلته وأساليبه الملائمة للموضوع، كما تظهر أيضا في حُسن تعبيره عمّا يجيش بوجدانه تجاه ما يبدع فيه وفي تجديده المطّرد في كل صوره وتشبيهاته.. ولو نظرنا إلى القصيدة السابقة «هِرّة» نجد أنها تناقش قضية رائعة وهي قضية الرفق بالحيوان وحسن معاملة الشاعر لها برغم غرورها وتكبرها ولؤمها وكأن بها طباع بعض البشر الذين لا تجدي معهم حسن المعاملة نفعا لتغييرهم للأفضل.. وأي نص كما نعرف يحتمل قراءات كثيرة .. وتتعدد الرؤى حوله وهو يتسع لذلك وكل تلك التأويلات المتباينة .. عين كعين الذئب محتالةٌ.. نجد روعة الصورة البيانية في بساطتها وكما نعلم احتيال الذئب في الوصول لهدفه حتى إنه لتفضحه عيناه بسبب كذبه.. فنلحظ مدى قراءة الشاعر لنظرات الهرة الكاذبة الخادعة.. وهو رغم احتيالها ونفاقها وتكبرها عليه إلا أنه يهواها ولا يستطيع الاستغناء عنها..

إن عانقتني كسرت أضلعي

وأفرغت على فمي غلها

كما أنه يشك في شكه عندما تقبل عليه تشرح له ذلها، وبمجرد أن يعطف عليها تتكبر عليه وتضحك منه.. جمع نزار بين الأصالة في الحفاظ على عمودية القصيدة والمعاصرة في تجديده لأخيلته وموضوعاته برغم بساطتها إلا أنها جمعت بين القيمة والعمق لا التفاهة والسطحية.


بحث

ADS

تابعنا

ADS