التعليم ممارسة للحرية

وجهات نظر , Comments Disabled

في كتابه القيم «التعليم من أجل الوعي الناقد» وضع باولو فريري هذا العنوان «التعليم ممارسة للحرية» عنوانًا للباب الأول، وقد ترجم هذا الكتاب إلى العربية  العلامة التربوي :د.حامد عمّار، وباولو فريري، يرى أن التعليم لابد أن يستمر في تطوير منظومته التي تنشد تمكينه من أن يكون أداة لا يقتصر على مجرد معاودة إنتاج النمط الثقافي السائد في مخرجات التعليم، بل إلى تكوين الوعي الناقد، والقدرة الإنسانية على الفعل الناقد في تغييرها للواقع الراهن، حتى لا يُصنع التاريخ من خلف ظهور البشر.

ويركز فريري في كتابه على عمليات التواصل وشروطها بين المرسل والمتلقي إزاء ما تتسم به حاليًا من طريق مرور ذي اتجاه واحد سواء في عمليات التعليم أو التعلم أو في الإرشاد الزراعي أو الإعلام والوعظ والإرشاد الديني والتوعية، وإذا علمنا أن فريري من البرازيل، هذه الدولة العظيمة صاحبة التجربة الرائعة في النقلة التعليمية، وعاش فترة من حياته في تشيلي صاحبة التجربة الأعظم في التعليم علمنا لماذا نتحدث عن فريري وكتابه.

إن التربية عملية سياسية كما أن السياسة عملية تربوية، وهي في هذين الوجهين عملة واحدة تتأثر بقوى الإنتاج الاقتصادية وبالسلطة والدولة في حكم المجتمع وفي تحديد أنماط المعرفة ومناهجها وتوزيعها وتقييمها، وينتقد فريري النظرة البرجماتية خاصة في التعليم؛ فليست قيمة التعليم بما ينتجه من فرص للعمالة والأجر، وكأنما هو محكوم بقيمة النسق الاقتصادية أو الربح حيث تطغى هذه القيمة على الأهمية البالغة في تمكين المتعلم من اكتساب الثقة بالنفس والقيم الروحية والإنسانية والانفتاح على العالم، ومن ثم فإن التعليم والعمل  يصبحان سلعة  ـ في نظر البرجماتية ـ وبقدر ما يحدده السوق من قيمة لما ينتجانه من سلع، كذلك تتحول علاقات الأشخاص فيما بينهم إلى سلع بل إن كثيرًا من العلاقات والمعاملات الإنسانية والعلاقات العاطفية والجمالية والرياضية تنقلب إلى سلع، وترتبط مكانة الإنسان بقيمة ما في جيبه من مال أو سلطة أو نفوذ كما يقال؛على اعتبار أنها قادرة على شراء السلع أو مبادلتها بها وهكذا يتم تسليع مختلف الأنشطة الإنسانية.هنا تنهار القيم الإنسانية كقيمة التعاون ليحتل مكانها التنافس العنيف، وتصبح قيمة الحياة بما يمتلك المرء من سلع، وليس بالقدرة على تحقيق الوجود والكينونة الإنسانية (وهي الثنائية المتناقضة التي أشار إليها “إيرك فروم” في إطار الثقافة الرأسمالية بين أن يمتلك الإنسان وبين أن يكون، وذلك في كتابه المشهورTo Be or To Have)

والمنطلق الآخر للنظرية النقدية في التعليم هو تزويد الإنسان بالمعرفة والقدرة على الفهم والوعي، ومن ثم إمكانية الفعل للتحرر من عوامل القهر وثقافة الصمت وامتلاك طاقة التغيير والاستمتاع بالحرية والاختيار والمشاركة في الشأن السياسي، كذلك القدرة على التغيير والتطوير وفعل الإنسان في واقعه مستندًا إلى الوعي الناقد المتعدي إلى إمكانات التغيير، ومن مقولات هذه النظرية أن المعرفة والبحث دون إسهام في القدرة على العمل تكاد تكون عديمة الفائدة، كما أنه ليس هناك عمل له منفعة ناقدة دون أن يرتبط بمعرفة نظرية أو بحوث تنير له الطريق وإلا فإن الفعل يظل خبط عشواء.

إذن فالتحام النظر بالتطبيق هو ما يميز هذه النظرية وهو لديها معيار أي تنظير حيث تتحدد قيمته بالدرجة التي يلهم فيها طاقات الأمل والعمل لتحقيق الطموحات ومواجهة التحديات، ولعل من أهم معاييرها القيمية التوجه نحو نقد الواقع في أبعاده السياسية والاقتصادية والأيدلوجية بغية الوصول إلى رؤية أفضل وأكمل من أجل إقامة مجتمع أكثر عدلا وأكثر ديمقراطية وأقل اغترابا وتغييبا للعقل فهي دائمة البحث والتمييز في المقولات والمفاهيم والأساطير المزيفة للعقول والخادعة للجماهير ومنها على سبيل المثال المبدأ الرأسمالي من مقولة (البقاء للأصلح) إن هذه المقولة إنما تعني أن أرباب السلطة والسلطان هم الأصلح، ولأنهم الأصلح في أفضلية قدراتهم وذكائهم لذا أصبح من حقهم أن يتمكنوا من الحلول في مواقعهم القيادية بينما غيرهم من الضعفاء قد فشلوا في الوصول إليها إذ لم تمكنهم قدراتهم من الصمود لتحديات البقاء وهكذا فإن المقولة تتضمن تبريرا لسيادة الأوضاع الراهنة وأيدلوجتها، وتكون مدخلا إلى مبدأ «البقاء إلى الأبد» ويبرز دور التفكير الناقد في تكوين أيدلوجية مغايرة لما هو مستقر ومأخوذ على علاته دون مناقشة أو تصور للبدائل، وهذا التفكير الناقد لا يتم على مستوى فردي فحسب بل يتطلب قوة الجماعة في إشاعته وفي مواجهته لديناميات الواقع وتكويناته ومؤسساته ومن ثم ضرورة أن تتخلل هذه الرؤية الناقدة مؤسسات الأسرة والتعليم والإعلام والأحزاب وجهود الوعظ الديني والإداري والتعليمي ويرى فريري من المنظور التاريخي لتحول المجتمعات وما يتعرض له من مد وجزر أن ثمة نوعين من الوعي:أحدهما الوعي الساذج والذي يتسم بتبسيط شديد للمشكلات، وإلى شوق عميق غير سوي للماضي واتجاه قوي نحو التجمهر وبالأسلوب المفعم بالانفعال إلى درجة كبيرة، وبممارسة الجدل العقيم  في النقاش ويظل فيه قدر كبير من نمط الحياة في الأسلوب المغلق، لذلك يصبح من الضروري الانتقال إلى مستوى أعمق وأشمل من الوعي الساذج المحدود الذي يعتبر مقدمة لكنها ليست مكتملة في استيعاب الواقع وفهمه، وقد يؤدي إلى الانتكاس لقلة المثابرة والصبر في مواجهة خداع القوى المسيطرة، ومن المقومات والشروط الأساسية في نمو هذا الوعي ونضجه واستمراريته مايسمى بمرحلة «الوعي المتعدي» والذي يتطلب قدرات التنظيم وبرنامجا تربويا حواريا فعالا يركز على المسئولية الاجتماعية والسياسية ومُعدا لأن يتجنب مخاطر غوغاء التجمهر وتغييب الفكر الناقد وهو وعي يتسم بالتعمق في تفسير المشكلات وبإزاحة الأسطورية السحرية لتحل مكانها أسس منطق عوامل السببية وبالانفتاح والمراجعة وبالرفض لإسقاط المسئولية على الغير وبسلامة توظيف الأسانيد أثناء الحوار، وبالترحيب بكل جديد لأسباب لا تقتصر على كونه مجرد جديد، وبأخذ القديم بعين الاعتبار لا لمجرد أنه قديم وأخيرا بفعل كل ما هو جديد أوقديم حين تثبت مصداقيته وجدواه لذا يجب التأكيد على أهمية استمرار الحوار والتعبئة من خلال برنامج تربوي يستهدف تمكين الناس في التحرك من اصطناع السذاجة إلى القدرة على النقد والإبداع، وسيظل ذلك الجهد فرض عين على من يؤمنون بقدرة الإنسان على أن يكون فاعلا لا مفعولا، وبأن مصير البشر لابد وأن يتحرك نحو إنسانيتهم الحقيقية مهما ادعى اصحاب السلطة المهيمنة أن ذلك الجهد من منظورهم إنما هو “عمل تخريبي”.

 


بحث

ADS

تابعنا

ADS